الرئيسية / حفريات / قديم نفسي خير من جديد غيري

قديم نفسي خير من جديد غيري

محمد الحلوي

قديم نفسي خير من جديد غيري

فقرات من نبذة عن تجربته عن تجربيه الشعرية التي قدمها

في الندوة التكريمية التي خصته بها جامعة المعتمد بن عباد الصيفية في غشت 1988

1418

بودي لو تكون الكلمات كافية لتترجم ما يغمر نفسي من مشاعر الغبطة والاعتزاز، وأنا أجدني موضع تكريم، وبين رفاق جمعني وإياهم حب الكلمة والإخلاص لها ومسيرة عمر كامل، جايلوا فيه تجربتي الأدبية المتواضعة، وهي غضة في انطلاقتها، ورصدوها عن كثب، وهي مستوية في عنفوانها. فشكرا لهم مقدما على إفادتهم وانطباعاتهم التي سيثيرون بها اللقاء.

إن من يتحدث عن تجربتي الشعرية أيها الإخوة، لا يمكن أن يتحدث عنها بعيدا عن المناخ الذي ولدت فيه، والملابسات التي أحاطت بها، والظروف التي خلقتها، والذي عايش الأربعينات، وعرف ما كانت تزخر به الساحة من أحداث، وما كان الوطن يتطلع إليه من تغيرات، لا ينسى ما تمخضت عنه آنذاك من تطورات فكرية ومواهب كانت مخنوقة، تتنفس تحت الماء، وتنتظر بزوغ الفجر السعيد لتعطي لوطنها ما تملك من عطاء.

لقد سخر الشعب من وسائل لتحرير نفسه وعبأ كل طاقات أبنائه من أجل الخلاص وناضل بالسلاح كما ناضل بالكلمة فتفجرت مشاعر غضبه حمما على المستعمرين. وكان للكلمة-  خطابا وشعرا- وقع بليغ في نفوس الغزاة، لا يقل وقعا وتأثيرا عن وقع السلاح، ألهبت الجماهير قصيدة وأغنية ونشيدا ونغما، ووجدت في ظل العرش متفيأ ومنطلقا، عرجت منه إلى سماء الخلق والإبداع.

ومن أساطين القرويين ومن هذا البيت المظلم رفعت أصوات الخطباء والشعراء، وعانق فيها الشعب طلائع أبنائه الذين قادوا الحركة الأدبية والسياسية؛ وهو في ميعة العمر وعنفوان الشباب وتحدوا رقابة المستعمر الذي كان يلاحق كل ما يكتبون وينظمون، واقتحموا أبواب المعتقلات ودخلوا السجون.

وامتزجت الوطنية بالصوفية، فكان الإكسير الذي صنع به المغاربة المعجزة، فاستقلت البلاد وانقضى عهد الحجر وولد مغرب حر وجديد.

من خلال الأحداث القاتمة كان إطلالة شعري الأولى، وأنا لم أتجاوز العشرين. كانت البداية متعثرة ومرتعشة، ولكنها ما لبثت أن استوت، وبدأت تسير بخطى وئيدة. كل الأعمال التي بدأتها الحركة الوطنية كانت تتسم بروح دينية أو وطنية، سرت فيها بعصامية وبغير موجه ولا توجيه. فمناهج الدراسة بالقرويين، التي قضيت فيها اثنتي عشرة سنة، تغلب عليها الدراسات الإسلامية، وليس فيها للأدب إلا حيز صغير. . والاتجاه إلى الشعر وكتابته، لأن له مدلولا واحدا في العقلية المتحجرة منعاه الإباحية والانحلال الخلقي..

ومع هذا فلم يكن لي اختيار في أن أكون شاعرا أو لا أكون. فقد تملكني حب الشعر وصرفني عن الاهتمام بغيره من مواد الدراسة، وما شجعني على المضي في سبيله ما أحسست في نفسي من استعداد له، وما أنست من إقبال عليه وانسياق له، ولا أسعى إليه ويطلبني ولا أطلبه…

كان أول عمل جاد كتبته ورضيت عنه مرثية كتبتها للمرحوم الشيخ عبد الرحمن بن القرشي في الأربعينات، نشرتها يومئذ في جريدة المغرب التي كان يديرها المرحوم سعيد حجي، نشرها بحرف كبير تحت عنوان: ويا ما أقل المخلصين إذا عدوا… ولا أحفظ منها إلا ثلاثة أبيات تقول:

وما مات من أبقى سلافة فكره      تدور على الأيدي فيحلو بها الورد

توزرت لا وزرا حملت وإنمـا      حياتك نور ما أخالها تســـــــــــود

وأخلصت لله المسيرة جاهـــدا      ويا ما أقل المخلصين إذا عـــــدوا

ومع الأسف فقد اختفت القصيدة، كما ضاعت الجريدة التي نشرتها.

طغيان الجانب الوطني والقومي إذا، أفرغ شعري من قاموس الوجدانيات، وأغرقه في قاموس الحمساسيات. وليس هذا فقط؛ فقد كانت أصول المجتمع المغربي وأخلاقياته تستبعد كل شاعر يخاطب القلوب، وكانت الجدية التي تصل أحيانا حد الجفاف تحكم على الشعر العاطفي بالموت والاختناق…

أذكر شبيها بهذا نزاعا احتدم في الأربعينات، بين شيوخ من أجلاء القرويين حول الأدب العربي لأحمد حسن الزيات، من أجل اعتماده كتابا للدراسة في شعبة الأدب. كان هناك من رفض الكتاب وعارض اختياره، لا لشيء إلا لأن فيه شاعرا هو أبو نواس، ونصوصا في الغزل لعمر بن أبي ربيعة، وأبياتا للفرزدق في هجو الأنصار. حظ الكتاب أن المعارضة لم تنجح، فتقرر الكتاب اعتمادا على مبدإ الفصل بين الأدب والأخلاق…

بعض الذين لاحظوا هذا الاستحياء في شعري وخلوه- إلا في النادر- من الحديث عن العواطف وشؤون القلب، عزوا ذلك إلى عدائي للمرأة، وأعوذ بالله من أكون عدوا للمرأة، وحبي لأمي علمني أن أحب كل امرأة في سمو وسعة قلبها وطهارة روحها…

وفي فجر هذا التجربة لم تعرف الساحة الأدبية عاصفة الحداثة والتجديد التي هبت بعد ريحها. كان همنا يومئذ أن نفض عن شعرنا العربي القديم ما علق به أولا من أوزار الماضي، وأن نعيد إلى الكلمة إشراقها ووضوحها، بعيدة عن الأصباغ والمساحيق التي حجبت جماليتها ونصاعتها.

وكان لطبيعة دراستي ومناهج الثقافة في القرويين الفضل الكبير في تمتين شاعريتي وتوجيهها في مسار الأصالة والتراث

كنت أمام مدرسة واحدة واختيار واحد ولم أكن أمام اختيارات…وكان لازما أن أوظف هذا الشعر لقضية الوطن الأولى وقضايا العرب والإنسانية جمعاء، وكانت هي الروافد التي غذت، وباستمرار، شعري وروته بالدم الذي أعطاه الدفء وطبعه بطابع الالتزام…

وإذا صح ما يقال من أن الألم وراء كل إبداع، فقد كانت محنة الإنسان المغربي في وطنه ومحنة أخيه في الجزائر ونكسات العرب المتلاحقة، كل ذلك كان وقودا ألهب عواطفي وعمق جراحي وهيمن على مشاعري…

غير أن الالتزام الوطني والعربي تكرس على حساب قلبي وعواطفي التي جمدتها، فلم يكن لي مع هذه الهموم وقت للحديث عن ليلى وكتابة قصائد الغزل والأشواق.

وكان صوت تجربتي في هذه الحقبة عاليا وجهيرا متميزا بوضوحه وشجاعته فكانت له أصداء قراء الكثير واستمع إليه ونقده الكثير.. وعلى من يؤرخ للشعر في هذه الحقبة أن لا ينسى حركة النقد التي واكبته ورصدت خطواته. أذكر هنا ما كان يكتبه الأستاذ أحمد زياد حول الوطنيات التي كنت أنشرها، ومناقشتنا حولها وما كتبه الأستاذ عبد الرحمن الفاسي، والمرحوم عبد القادر الصحراوي، وما نشره حول تجربتي الدكتور زكي أبو شادي في رسالة المغرب، والأستاذ عبد الله كنون…

ويحلو لبعض من كتبوا عن أعمالي أن يتحدثوا عن الانغلاق والهوس بالقديم، وهي معايب يراها البعض من حسناتي ودائي الذي هو دوائي.. فقد أخلصت حقا للقديم، لأني وجدت فيه ما يغذي العقل، ويمتع الروح ولم أخاصم الجديد، لأن تيار التجديد لا يقاوم سنة الحياة التي لا تتغير. فقد عرف الشعر العربي على يد عمر بن أبي ربيعة الذي كرس حياته للغزل المكشوف. وتجدد في العصر العباسي، فاختلفت منه الطلليات على يد أبي نواس، حتى قال:

لا جف دمع الذي يبكي على طلل      ولا صفا قلب من يصبو إلى وتد

وتجدد في الأندلس فظهرت الأزجال والموشحات.

كل هذه المحاولات لتجديده لم تستهدف الإجهاز على القصيدة العربية، ويحاول طمس ملامحها وتفكيكها إلى قطع غيار.

ومن المفارقات أنها ظلت محافظة على هندستها ونسيجها البنيوي، حتى في عصر انحطاط أيام حكم الفرس والترك والمماليك؛ فظلت صامدة رغم ما لحق بها من عوامل الفناء والانقراض، وأكثر من كل هذا ازدهار القصيدة العربية على يد شعراء من غير العرب، أبدعوا فيها، وأثروها بأخيلتهم وتصوراتهم وفكرهم اليوناني، يكفي أن تذكر واحدا منهم هو ابن الرومي…

ما يخشى اليوم هو أن يهدم هذا الهرم الشامخ الذي بنته أجيال العربية على يد أبناء العربية. فبعض من يغار على الشعر العربي من محبيه يتوجس أن يكون وراء هذا التغريب مؤامرة من خارج المجتمع العربي، ليست هذه المرة ضد اقتصاد العرب وثرواتهم، ولكنها ضد أعز شيء لديهم، وهو شعرهم وأدبهم الذي ارتبط بمسيرتهم.

وحتى أخرج من الانغلاق الذي اتهمت به، فقد حاولت مرات أن أجرب نفسي، وأمارس اللعبة، وإن كنت لا أعرف قواعدها، ولكني فشلت. عندها وطدت نفسي على التمسك بالقديم، حتى لا أكون كالغراب الذي أراد أن يقلد الحمامة، فأضاع مشيته، ولم يحسن التقليد.. واقتنعت بأن قديم نفسي خير من جديد غيري

عن هذه الحداثة يقول نزار قباني: إن الحداثة في الشعر ما تزال نطفة لم تتخلق، ولم تأخذ شكلها النهائي فلا يمكن التحدث عن خصائصها. وهناك أصوات تصرخ بدون قائد أوركسترا.

ويقول نزار: إني لا أفرض على الشاعر أي شكل هندسي أو معماري، وأترك له الحرية كي يبني البيت بالشكل الذي يريد، وبالحجم الذي يريد، ولكن لا أسمح بأن يهدم لي بيتي القديم، ويتركني على الأرض. هذا الذي يقول نزار الذي تفتح ولم ينغلق.

إن ما أخشاه شخصيا هو أن تكون هذه الأصوات المبحوحة في الساحة هي آخر فوج في مسيرة القصيدة العربية. فانبهار شبابنا بالجديد وانصرافهم عن القديم- وحكمهم عليه وهم لم يدرسوه- وضحالة معارفهم الأدبية التي يكتفون فيها بالمختصر غير المفيد، وجنوحهم إلى امتطاء المركب السهل، كل ذلك في رأيي مؤشرات توحي بأن مستقبل القصيدة العربية في كف عفريت.

أيها الإخوة الأعزاء:

لا أطيل في الحديث عن تجربتي الشعرية ولا أريد أن أكون كاتبا ومخرجا. فهناك محاور كثيرة يمكن التوقف عندها وتستدعي التأمل [فيها]. كالصدق الأدبي في التجربة، والتعامل مع اللغة وتوظيفها، والتأثر بالآخرين. ويمكن القول بأن صدقي في مشاعري كان دائما السمة التي تطبع أعمالي، وأن اللغة، كوعاء للأفكار، لا تطغى في أعمالي عليها ولا تغرق أعمالي في قاموسها.

وفي التأثير بالآخرين، فلا بد من التفرقة بين التأثر، وهو انطباع لا إرادي نتيجة للاحتكاك والتمرس بأعمال الآخرين، وبين التقليد الذي لا يكون إلا سلخا واعتداء على عمل الآخرين، بين المعارضة الأدبية التي تعنى بالتحدي والجري مع الآخر في نفس المضمار على السواء. ومهما كان رأيي في تجربتي، فإن ما يسعدني هو الرأي الآخر مهما كانت قيمة الرأي…

إن تكريم الشاعر وتقدير رسالة الشعر ليس بدعة من هذه البدع التي طالعتنا بها حضارة العصر، ولا هي بادرة من بوادره التي يمكن أن يدعى السبق إليها. فقد كرم العرب قديما الشعر ورجاله منذ ركبوا الجمال في الصحراء، واستمعوا إلى الحداة، ومنذ عقدوا له المجالس ونصبوا القضاة.

وبلغ التكريم أنصع صوره يوم عانق الرسول الكريم كعب بن زهير وخلع عليه بردته.. وتناهى في تكريمه في العصر العباسي فكان لرجاله فيه دولة ومكان، وصح فيهم قول شوقي:

جاذبتني ثوبي الحصى وقالت   أنتم الناس أيها الشعراء

لم يعد تكريم الشعر تقليدا رسميا وطقوس الدولة والخلافة فحسب، ولكنه تحول إلى خلق يربى عليه الجيل وأدب ينشأ عليه الناس. وليس أبلغ في تكريم شيوخ الشعر والأدب من قصة الأمين والمأمون اللذين كانا يتسابقان على نعلي الكسائي لينالا بالسبق تكريمه ورضاه.

وإذا صح تكريم الشعر خلقا في كل المجتمعات العربية، فقد كان من الضروري أن لا يختلف المغرب، وهو سباق إلى المكرمات. فقد احتفظ لنا التاريخ بمواقف وبأسماء شعراء مغاربة، تألقوا في هذا الجناح العربي، ونالوا من الحفاوة والتكريم ما يليق بهم وبالدولة التي عاشوا في أكنافها، مثل الجراوي والجزنائي والفشتالي وابن الونان.

وأستبعد هنا ما يروى عن يوسف بن تاشفين الذي توافد عليه الشعراء ليهنئوه بالنصر في معركة الزلاقة الخالدة، فلما أنشدوه، وسأله وزيره: هل فيهم سيدنا ما قاله الشعراء؟ قال: لا. ولكني أفهم أنهم جاءوا يطلبون الخبز. وما أظن أن رجلا من المستوى العالي يمكن أن يستقبل ضيوفه بكلام مهين كهذا الذي تقولوه على ابن تاشفين الذي عرف بتقواه وتواضعه، ولا أن هذا هو الجزاء الذي يستحقه من تحملوا المشاق، ليهنئوه بالنصر، ويعبروا له عنه بأجمل الأساليب في التعبير.

لقد كان حالهم مع المتنبي:

فليسعد النطق إن لم يسعف الحال

فتحية لمقام صاحب الجلالة راعي العلم والأدب، وشكرا له على هذه البادرة الطيبة، التي أحياها، فأعاد بها عكاظ وأمجاد الشعر في عكاظ، ليذكي بها جذوة الأدب، ويضيء بمشاعلها مسيرة الفكر هذا الوطن الذي يختزن مواهب إبداع خلاقة، برهنت وما تزال بعطاءتها على أنها أهل لكل تقدير.

تعليقات فيسبوك

تعليق واحد

  1. بالرغم من أن الحلوي لم يغير من نمط كتابته الشعرية واكتفى بأن يكون كلاسيكيا إلا أنه بصم على تجربة مميزة في الشعر المغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *