الرئيسية / حفريات / مقدمة كتاب الأدب العربي في المغرب الأقصى

مقدمة كتاب الأدب العربي في المغرب الأقصى

مقدمة كتاب الأدب العربي في المغرب الأقصى[1]

محمد بن عباس القباج.

 2695

منذُ سنتينِ كنتُ في مجمعٍ ضمَّ ثلةً من أدبائِنا وعلِّيةً من مفكرينا، فجرى ذِكرُ الأدبِ العربيِّ الذي تطوَّر في فجرِ هذا القرنِ تطورًا محسوسًا، وسايرَ العلمَ والحضارةَ في تقدُّمِهِما وارتقائِهما، فَساقَنا الحديثُ في الأمةِ العربيةِ من قطرٍ إلى قطرٍ، واستعرضْنَا أمامَنا شعراءَ العراقِ والشامِ ومصرَ والسودانِ والمَهَاجِرِ وتونُسَ والجَزائرِ، فإذا بِنا- وإِنْ كُنَّا بعيدينَ عنْ بعضِ تلكَ الأقطارِ- نُدرِكُ حَقَّ الإدرَاكِ، ونَعْلَمُ عِلْمًا يُوشِكُ أَنْ يكونَ يقينًا، مَقْدِرَةَ أيِّ أديبٍ مِنْ أُدباءِ كلِّ قُطْرٍ، ونَعْرِفُ حَقَّ المعرِفَةِ المكانةَ التي تَبَوَّأَهَا مِنَ البيانِ والبراعةِ والابتكارِ، وما ذلكَ إلاَّ من مزايا حركةِ النَّشرِ والتَّأليفِ التي أَمَدَّتْنا وأفادتْنا كثيرا، ومِنْ عظيمِ اهتمامِ أهلِ كلِّ قُطْرٍ بِشُعرائِه وأدبائِه، حيثُ قاموا أجلَّ قيامٍ بِنَشْرِ بناتِ أفكارِهِم وثمراتِ قرائحِهم.

هذهِ النظرةُ هيَ التي ألقيناها على الشعوبِ العربيةِ فَسَرَّتْنا أَتَمَّ سُرُورٍ، وطَفِحْنَا بِهِ بِشْرا واغتِباطًا، ولكنْ لمَّا حانتْ مِنَّا التفاتَةٌ إلى قُطرِنا المغربيِّ، الذي هوَ جُزْءٌ من أجزاءِ الأمةِ العربيةِ، ونَظَرْنَا هلْ لَهُ مِثْلُ هذهِ السُّمْعَةِ الأدبيَّةِ والشُّهرَةِ العاليةِ، وهَلْ أُوتِيَ أُدباؤُهُ وشعراؤُهُ ذِكْرًا يرفَعُ مقامهُم، ويُطَيِّرُ شُهرَتهُم، أَلْفَيْنا مِنْ خُمولِ الذِّكْرِ ما لا تَرضى به أُمَّةٌ تَنْشُدُ الحياةَ، وتأمل أن يكونَ لها مركزٌ في الوجودِ.

في ذلكَ الحينِ جالَ في ضميري لأولِ مَرَّةٍ أنْ أَتَصَدَّى للقِيامِ بجمعِ تأليفٍ يضُمُّ بينَ دَفَّتَيهِ تراجِمَ شعرائِنا ومنتخباتٍ من شعرِهِم؛ لِيُعْطِيَ لِكُلِّ قارِئٍ صورَةً صادقَةً مِنَ الشِّعْرِ المغرِبيِّ، ويُفِيدَ كُلَّ باحِثٍ في الأُمَّةِ المغرِبِيَّةِ مبلغَ تَدَرُّجِ الأَدَبِ فِيهَا وطُرُقَ تَفْكِيرِ شُعَرائها.

وما بَرِحَ هذا الأَمَلُ يَتَرَدَّدُ في ذِهْني ويقْوَى في نَفْسِي، إلَى أَنْ رأَيْتُ الفُرصَةَ سانِحَةً والأسبابَ ميَّسرَةً لإِخراجِهِ من حيِّزِ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ، فوَطَّدْتُ العزْمَ وتَقَّدَّمتُ للعَمَلِ.

غايتي من جمع الكتاب:

مَضَى على الأدَبِ في الأُمَّةِ العَرَبِيَّةِ فَتْرَةٌ غيرُ قصيرةٍ، لا يَخْرُجُ عنْ موضوعاتٍ معدُودةٍ: المديحُ والهَجْوُ والرِّثَاءُ والغَزَلُ والأَلْغازُ! حتَّى لَيَتَعَجَّبَ الباحثُ في تاريخِ الآدابِ العربيَّةِ منذُ القرنِ الخامسِ إلى أنْ تكوَّنَتْ هذهِ الحرَكةُ الحديثةُ في مِصْرَ والشَّامِ في أواخِرِ القرْنِ الماضِي، حيثُ لا يكادُ يُوجَدُ من يَنْتَمي إلى الشاعِرِيَّةِ الصَّحِيحَةِ، أوْ يَدَّعِيَ النُبُوغَ فِيها، والاستحواذَ على ناصِيتِها، إلاَّ وهُوَ يبدِئُ ويُعِيدُ بينَ هذهِ الموضُوعاتِ الخَمْسِ، كأنَّ الآدابَ العربيَّةَ وَقْفٌ عليها، وكأنَّ اللَّغَةَ لاَ يتَّسِعُ صدْرُها بَعْدُ، لمِاَ كانَتْ تَتَّسِعُ لَهُ في العُصُورِ الأُولَى المُزْدَهِرَة.

وقَدْ كانَ الأَدِيبُ المَغْرِبِيُّ لا يعرِفُ طبْعًا إلاَّ هذهِ الموضوعاتِ الَّتِي ورِثَها عَنِ العُصُورِ المُتَأخِّرَةِ، فلا يَكادُ يَتَجاوزُها غالِبًا إلاَّ إِذا كانَ ذلكَ عَرَضًا غيرَ مَقْصودٍ، وَهُوَ لَعَمْرُ أبيكَ لا يُلاَمُ في ذلِكَ، اللَّهُمَّ إلاَّ إنْ كانَ يُلاَمُ الأُدباءُ أمثَالُهُ في بَقِيَّةِ الأقطارِ الذينَ كانُوا يعيشونَ في مثلِ وسَطِهِ وبِيئَتِهِ، قبْلَ أنْ يَطْلُعَ هذا العصرُ الحديثُ بعُلُومِهِ الجَدِيدةِ وعجَائِبِهِ المُدْهِشَةِ التي تَسْتَفِزُّ النُّفوسَ وتُوقِظُ جَذْوَةَ الشُّعُورِ.

ومُنْذُ عَهْدٍ قريبٍ وَصَلَ إلى المَغرِبِ الأقْصى صَدَى تِلْكَ النهضةِ الفكريةِ التي انبعثَتْ في الشَّرقِ العربيِّ، وأحدثَتْ انقِلابا في الأفكارِ والأساليبِ، فعادَ أُدباؤُنا الذينَ لمْ تَتَأَصَّلْ فيهم جُذورُ تلكَ الوِراثَةِ المذكُورةِ آنِفًا، ولمْ تَتَعَوَّدْ بعدُ أفكارُهُم الجمودَ على تلكَ التقاليدِ والاقتصارَ على تلكَ الأساليبِ إلى أن يَشْحَذُوا قرائِحَهُم من جديدٍ، ويُوَجِّهُوها إلى ما فيهِ نفعُ الأُمَّةِ، ويعودَ عليها بصلاحِ هيئتِها الاجتماعيةِ، من استنهاضِ الهممِ، ولفتِ الأنظارِ إلى الحالةِ التي وصلَ إليها الشعبُ من جهلٍ عامٍ وانحطاطٍ في الأخلاقٍ وعبثٍ بالدينِ.

ثُمَّ نشأتْ بَعدَ ذلكَ طائفةٌ مِنَ النَّشْءِ الحيِّ- وأشعارُ هؤلاءِ ملءُ الأفواهِ وحديثُ المنتدياتِ- فالتهَبَتْ جوانِحُ ذلك النَّشْءِ، واتَّقَدَتْ أفكارُهم، واهتزَّتْ عواطِفُهم، فإذا في المغربِ الأقصى شعرٌ جديدٌ طَلِيٌّ فيهِ من جَمالِ الأُسلوبِ وسُهولةِ الأَلفاظِ وصفاءِ الدِّيباجَةِ وسُمُوِّ الخيالِ، ما يُبَشِّرُ أنَّ لهذا القُطْرِ مُستقبلاً زاهِرا.

 

 فالأدبُ المغربيُّ اليومَ يُمَثِّلُهُ رِجالُ هَذِهِ الطَّبَقاتِ الثَّلاثِ:

طبقةُ أدبائِنا الكبارِ: الذينَ يمَثِّلونَ أدبَ الماضِي بطلاوَتِهِ وجناساتِه وأمداحِه وتغزُّلاتِه.

وطبقةُ المخضرمينَ :الذينَ جَمعُوا بينَ الحُسنَيَيْنِ، وضَرَبُوا بالسَّهْمَيْنِ، فَنَالوا مِنْ أدبِ الماضي أوْفَى نَصِيبٍ وأَكبرَ حَظٍّ، وأخذوا منَ الأدبِ الحديثِ بعضَ معانيهِ ومقاصدهِ، فَأَفْرَغُوها في قوالبِ ذلكَ الأدبِ، فكانوا خيرَ واسِطةٍ قائِمةٍ بما يجِبُ عليها للماضي وللحاضرِ.

والطبقةُ الثالثةُ وهي الطَّبقةُ النابتةُ التي تَرَبَّتْ وتَثَقَّفَتْ في عَصْرٍ تُحَلِّقُ فيهِ الطَّياراتُ في الأجواءِ، وتخترِقُ فيهِ السياراتُ شاسِعَ الأطرافِ، وتَعُمُّ آلةُ البُخَارِ والكهرباءُ أغلبَ البقاعِ، وتُشاهِدُ ما تُخرِجُهُ العُقُولُ مِنَ الإبداعِ والاختِراعِ، فجاءَتْ أفكارُها مُطابِقةً لروحِ العصرِ مُناسِبةً لِرُقِيِّهِ وحضارَتِهِ نوعًا ما.

هكذَا ارتَأَيْتُ أَنْ أُرَتِّبَ هذا الكتابَ، فَتَرَى فيهِ الطَّبَقَاتِ الثلاثَ مُتَنَاسِقَةً، يأخُذُ بعضُها بِرِقابِ بعضٍ، وإِنْ لمْ يكُنْ ذلكَ واضحا أتَمَّ الوضوحِ بينَ الطبقتينِ الأُولَيَيْنِ. بَيْدَ أنَّ الناظرَ تتجلَّى لَهُ الأولى في أوَّلِ الجُزْءِِ الأولِ. وما يكادُ يصلُ إلى ثُلُثِهِ الأخيرِ حتَّى يَشْعُرَ أنَّهُ انتقلَ إلى الثَّانيةِ.

وهكذا أيضا ينبغي أنْ يُفهَمَ أدبُنا ويَدْرُسَهُ مَنْ أرادَ ذلكَ، فَيَدْرُسَ أدبَ كلِّ طبقةٍ في مُحِيطِها وَوَسَطِها ويعرِفَ كيفَ ينتَقِدُ انتقادا صحيحا نَزِيهًا.

ولَنا رجاءٌ أن يقومَ مِنْ كُتَّابِنا مَنْ يرى في نفسِه أهلِيَّةً واستِعدادا لذلِكَ الانتقادِ، فَيَكُونَ قدْ أفادَنا كثيرًا، وخَدَمَ أدبَ قومِه، وصَدَعَ بالحقِّ دُونَ خَشْيَةٍ أو رِيبَةٍ. لا سِيَما ونحنُ في الطورِ الأوَّلِ مِنَ الانتِباهِ والنُّهوضِ، وقدْ أصبَحْنا نَشْعُرُ بحاجَةٍ ماسَّةٍ وشِدَّةِ افتْقارٍ إلى النَّقدِ الأدبيِّ، لِنَتَبَيَّنَ موطِنَ الضَّعْفِ وموضِعَ الخللِ في أدبِنا وتفكيرِنا، فَنُسْرِعَ لإصلاحِهِ وتقوِيمِهِ.

وَلَقدْ كُنْتُ أَوَدُّ أنْ أنهَضَ بهذا العِبءِ، وأمزِجَ هذا الكتابَ بالنقدِ، ولَكِنْ لِوُفُورِ ما عِندي منَ الأشغالِ، وضِيقِ الوقتِ، تأخَّرتُ عن ذلكَ، وتراجَعْتُ عنْ كُلِّ ما كُنتُ أريدُ. وحَسبيَ الآنَ أنْ أُقدِّمَ للناطِقينَ بالضَّادِ مِنْ أبناءِ قومِي ثَمرةَ مجهُودي منذُ سنتينِ مُجَرَّدًا عَنْ كُلِّ نقدٍ. وعَسَى أَنْ أكونَ قدْ قُمْتُ بِبَعْضِ ما يجِبُ عَلَيَّ نحوَ الشَّعْبِ وأدبِهِ.

فإذا طالَعْتَ أيُّها القارئُ الكريمُ هذا السِّفْرَ، وعَلِمْتَ مِنْهُ أسماءَ بعضِ شُعرائِنا، وعَرَفْتَ مطروقاتِهمُ المُختلِفَةَ ومُتَّجَهَاتِهِم، وأدْرَكْتَ مَقْدِرَةَ كُلِّ واحدٍ منهم والمرْتبةَ التي يشغلُها في عالمَ الأدبِ، معَ صورةٍ صغيرةٍ من حياتِه، فإنَّ ذلكَ هو غايتي منْ تأليفِ هذا الكتابِ.

رباط (المغرب الأقصى) 15- 7- 1347

محمد بن عباس القباج.

 

[1] * محمد بن العباس القباج، الأدب العربي في المغرب الأقصى، الجزء الأول، الطبعة الأولى، 1929.

 

 

تعليقات فيسبوك