الرئيسية / دراسات / قراءة في كتاب “بنية اللغة الشعرية” لجون كوهن

قراءة في كتاب “بنية اللغة الشعرية” لجون كوهن

بنية اللغة الشعرية

صدرت ترجمة كتاب structure du langage poétique، في المغرب تحت عنوان بنية اللغة الشعرية. وجاءت هذه الترجمة بعد أن ترجم الكتاب في المشرق تحت عنوان بناء لغة الشعر، لأحمد درويش. وقد ضم الكتاب مدخلا وسبعة فصول. طرح كوهن في المدخل موضوع الدراسة ومنهجها، وأفرد الفصل الأول للمسألة الشعرية، والفصل الثاني لمستوى النظم. أما الفصل الثالث والرابع والخامس، فخصصها للمستوى الدلالي من خلال تناول الإسناد والتحديد والوصل. وختم الكتاب بفصلين، تناول فيهما ترتيب الكلمات والوظيفة الشعرية. وضع المترجمان تقديما للكتاب، عرضا فيه تصور كوهن للانزياح، وختماه بلائحة لثبت المصطلحات.

يتأطر هذا الكتاب ضمن الشعرية البنيوية، التي تبحث عن شكل للأشكال، هدفها الأساس تجاوز البلاغة القديمة التي اكتفت بالتصنيف، ولم تبحث عن البنية المشتركة بين الصور المختلفة.سعى الكاتب في هذا البحث إلى الوقوف عند خرق قانون اللغة، فالشعر لا يحطم اللغة العادية إلا ليعيدها في مستوى أعلى، وفي عملية البناء هذه، تتبدى لنا حقيقة أن الشعر ليس نثرا يضاف إلى شئ آخر، بل هو نقيض النثر. بمعنى أن الشعر انزياح عن معيار هو قانون اللغة، انزياح تخرق فيه كل صورة قاعدة من قواعد اللغة. ولا يكون هذا الانزياح شعريا إلا إذا كان محكوما بقانون يجعله مختلفا عن غير المعقول.

الشعر والنثر وبلورة مفهوم الانزياح.

انطلق جون كوهن، في تحديده لموضوع الدراسة، من تحديد تصور عام عن الشعرية، بما هي علم موضوعه الشعر. فتناول دلالة كلمة”شعر”،وتطور معناها من الدلالة على الجنس الأدبي: القصيدة، كدلالة لا يعتريها أي لبس، خصوصا مع الكلاسيكية، إلى انفتاح الكلمة على دلالات جمالية متشعبة، خصوصا في ارتباطها بالفنون الأخرى، كالموسيقى والرسم، أوفي ارتباطها بمنظر طبيعي. فاتخذت كلمة شعر، بعد هذا، شكلا خاصا من أشكال المعرفة، بل وبعدا من أبعاد الوجود”(ص.9).

            انتقل جون كوهن، إلى تحديد مجال دراسته، الذي حدده في القصيدة. دون رفض الاستعمالات الأخرى لكلمة شعر، لكون ضرورة الدراسة ،كما يرى كوهن ،يجب أن تنطلق من الخاص إلى العام، وكذا لكون القصيدة هي الأساس في فن الشعر. واتخاذه للقصيدة لا يعني أنه مطمئن لهذا الاختيار، بل إنه يرى أن القصيدة تطرح إشكالا كبيرا، خصوصا بظهور ما سمي “بقصيدة النثر”. هذا المكون، الذي يمزج بين شكلين متناقضين. فيطرحُ أمامنا لبس؛ فبعد أن كانت القصيدة تعرف بالوزن، يطرح حاليا إشكال تحديد ما هي القصيدة؟

            ولإزالة اللبس، فيما يخص علاقة قصيدة النثر بالقصيدة الموزونة، يعرض كوهن لتصوره في التمييز بين النثر والشعر، منطلقا في ذلك من تقسيم اللغة إلى مستويين: مستوى صوتي، ومستوى دلالي. فالشعر يختلف عن النثر بخصوصيات من المستويين؛ أما المستوى الصوتي فخصوصياته مقننة وصارمة ومرئية، وتتجلى أساسا، في النظم. أما المستوى الدلالي، فخصوصياته بمثابة المصدر الثاني للقصيدة بعد الوزن، وهي ليست إجبارية كالأولى، وإنما تبدو اختيارية أكثر من أن تكون إلزامية، وتتجسد في البلاغة. تتشكل اللغة، إذن، من مستويين، وللكاتب والمبدع الحرية في اعتماد أحدهما دون الآخر، أو اعتمادهما معا. ويكتسب النص قيمة مضافة بالمزاوجة بين المستويين، فيصل الإبداع إلى درجة القمة الشعرية.

            يشتغل الجانب الدلالي دون الصوتي في قصيدة النثر،  . في حين ،يشتغل الجانب الصوتي وحده، في النثر المنظوم. و مثل  كوهن للشعر الكامل، بأزهار الشر لبودلير Les fleurs du mal، وأسطورة القرون La légende des siècles، لفيكتور هيجو. ولكون كوهن اختار الشعر الموزون، مادة للتحليل، فقد برر ذلك بالمبدأ المنهجي، الذي يقتضي، حسب كوهن، انسجام المواد المرصودة للبحث. “ولا نرى في ذلك مجازفة تؤدي إلى تضييق مجال التحليل، بينما الواقع أن القصيدة النثرية تحتوي عموما على سمات دالية كالتي تستعملها المنظومة”(ص.13). بل ذهب كوهن إلى أنه بإمكان الشاعر، الذي تحرر من قيود الوزن، أن يكون في وضع مريح يمكنه من التصرف في المستوى الدلالي.

            يصنف جون كوهن بحثه في إطار علم الجمال العلمي، دون علم الجمال الفلسفي. فهو منهج يسعى إلى رصد الوقائع. فإذا كانت اللغة المكتوبة تقسم إلى نثر وشعر، فإن الغاية من الشعرية، هو “البحث عن الأساس الموضوعي الذي يستند إليه تصنيف نص في هذه الخانة أو تلك، فهل توجد سمات حاضرة في كل ما صنف ضمن “الشعر”، وغائبة في كل ما صنف ضمن “النثر”، إذا كان الجواب بالإيجاب، فما هي؟ إن ذلك هو السؤال الذي يجب أن تجيب عليه كل شعرية تسعى لأن تكون علمية”(ص.14-15). لأجل ذلك اعتمد كوهن منهجا مقارنا، يواجه الشعر بالنثر. ويعتبر كوهن النثر معيارا تعتبر القصيدة انزياحا عنه”(ص.15). هكذا طرح كوهن مصطلح الانزياح كخاصية للنص الشعري.

 يتمثل الانزياح في القصيدة من خلال الشكل الآتي:

                                                                                الانزياح

                  لغة العلماء (0%)                                                                              لغة الشعراء (100%)

                                                                           درجات الانزياح

لتوضيح الصورة التي يكون بها الانزياح، يقدم كوهن تعريفا للأسلوب. فالأسلوب هو “كل ما ليس شائعا ولا عاديا ولا مطابقا للمعيار العام المألوف”(ص.15). إنه يحمل قيمة جمالية فالأسلوب بذلك انزياح بالنسبة إلى المعيار، أي أنه خطأ، ولكنه خطأ مقصود. إن كوهن يسعى من خلال عمله إلى تعيين الانزياحات بالمقارنة مع المعيار، ليتم بعد ذلك معرفة الانزياحات المقبولة جماليا ،من الانزياحات المرفوضة، غاية في تحديد مجال الانزياح الواسع. لقد اتخذ كوهن مجموعة من التعريفات باعتبارها مسلمات ينطلق منها، وهي اعتباره للغة الشعرية كواقعة أسلوبية، ثم تسليمه بأن الأسلوب رغم كونه فرديا، يمتلك مفهوما واسعا، يتحدد في وجود ثابت في لغة جميع الشعراء، أي وجود طريقة واحدة للانزياح بالقياس إلى المعيار.

 خلص كوهن إلى إمكانية تطبيق نتائج الإحصاء على الأسلوبية، نظرا لالتقاء الأسلوبي والإحصاء. فالأسلوبية هي علم الانزياحات اللغوية، في حين أن الإحصاء هو علم الانزياحات عامة. إن الأسلوب الشعري، إذن، هو “متوسط مجموع القصائد، الذي سيكون من الممكن نظريا الاعتماد عليه لقياس “معدل شاعرية” أية قصيدة كيفما كانت” (ص.17). ودراسة الأسلوب إحصائيا، تفترض طريقتين؛ أولى تعتمد تشخيص الظاهرة، والثانية قياسها.

1.المسألة الشعرية.

يتحدد موضوع هذه الدراسة في اللغة الشعرية، التي تقوم على مفارقة تجعلها تبدو عند التحليل وكأنها مكونة من عناصر هي نفسها غير لغوية.

فاللغة مكونة من دال ومدلول، أومن عبارة و محتوى، أي أنه يمكن التمييز فيها بين الشكل و المادة، بحيث يكون الشكل هو مجموع العلاقات المعقودة بكل عنصر داخل النسق، أما المادة فهي الواقعة العقلية أو الأنطلوجية.

 واستنادا إلى و جهة النظر الشكلية، التي تطبقها البنيوية على اللسان، سيتم التوسل بها ،من طرف جون كوهن، لتطبيقها على الكلام، أي على الرسالة نفسها.

فعلى المستوى العبارة، أي الشكل لدينا ثنائيه نظم-نثر، بحيث يستند التصور في للنظم إلى معايير متعارف عليها في اللغة ، ذلك أن الفرنسي المطرد مثلا يعتمد على الوزن والقافية، أي على المقطع والفونيم باعتبارهما وحدتين أصغر من الكلمة أو المونيم أي أصغر من الوحدات الدلالية الدنيا. مما يجعل القافية و الوزن يبدوان كبنية فوقية يقف تأثيرها عند المادة الصوتية، و بالتالي يكون الخطاب المنظوم مشاكلا للغة غير المنظومة بفرق جمالي مختزل في نوع من الزخرف الصوتي. أضف إلى ذلك أن التكرار المنتظم للأصوات بعينها يمثل قيمة إمتاعية إلا أن هذه القيمة لا تكون الوظيفة الوحيد و لا الأكثر أهمية في نظم الشعر. وذلك للفرق النسبي للإمكانيات الصوتية المتاحة للموسيقى اللغوية فيما بين الإنشاد أو القراءة.

إضافة إلى هذه الاعتراضات ،هناك حجج أخرى، مستخلصة من فعالية نظم الشعر نفسها. فحالة  القافية تعتمد ،كما سبق الذكر، على فونيمات ،أي على وحدات لغوية غير دالة ،إلا  أن ذلك لا يمثل إلا مظهرا أوليا، إذ القافية ليست مجرد تشابه صوتي، ما دام في اللغة صنفان من المماثلات الصوتية:

– مماثلات دالة، كالمماثلات النحوية.

– مماثلات غير دالة، كالمماثلات غير النحوية.

لذلك يجب أن تكون القافية كما قال جاكبسون”نحوية و منافية للنحو” إذ يقترح جون كوهن دراستها، في علاقتها بالمدلول، لأن النظم ليس عنصرا مستقلا يضاف من الخارج إلى المحتوى، بل هو جزء لا يتجزأ من مسلسل الدلالة. وبما أن وظيفة القصيدة أن تحيل على المحتوى باعتباره مادة مادامت القصيدة لغة، فإن الخطاب الشعري يجب النظر إليه أيضا من جهة المدلول، لأن اللغة ليست إلا بديلا مقننا للتجربة نفسها. و التواصل اللغوي يفترض عمليتين متقابلتين: إحداهما الترميز ويسير من الأشياء إلى الكلمات، والثانية فك الرموز، و يسير من الكلمات إلى الأشياء يعنى فصل المحتوى عن العبارة الخاصة به. ويتضح ذلك في الترجمة سواء إلى لغة أخرى، أو داخل اللغة الواحدة حيث يظل المحتوى يحتفظ بتميزه عن العبارة.

تعني الترجمة أن نرصد لمضمون واحد عبارتين مختلفتين، وبما أن ترجمة المادة ممكنة، وبما أن مادة المحتوى هي الدلالة، و الشكل هو الأسلوب، فإنه عندما تكون لغة الانطلاق، ولغة الوصول معا نثرا فإن المستوى الشكلي يفقد كل قيمة مميزة مادام النثر هو “بالتحديد درجة الصفر في الأسلوب”.يختلف بمجرد ما يتدخل الأسلوب، فالعبارة تعطي المحتوى شكلا أو بنية خاصة. وعليه يمكن الاحتفاظ ، حسب جون كوهن، من القصيدة بالمعنى في مادته ،في حين نضيع شكله ونضيع الشعر مرة واحدة.

وهكذا يكون الفرق بين النثر و الشعر متعلقا بشكل للمعنى، أي أن الشكل هو الذي يحمل الشعر وهو الذي يكسبه و جوده و يميزه عن النثر.و اللغة، في حد ذاتها تحيل على الأشياء، إلا أنه فيما يخص القصيدة ليس ما يهمنا هو الأشياء في ذاتها، بل الأشياء معبرا عنها من خلال لغة. حيث توجد هيمنة للغة بالقياس إلى الأشياء، فتحتفظ العبارة بحق تحقيق الإمكانيات الشعرية للمحتوى، أو عدم تحقيقها.من هنا يكون دور الشعرية الأدبية ،هو مساءلة العبارة لا المحتوى الذي يتغير.

غير أن الشعرية تصر على اعتبار القيمة الجمالية للقصيدة تكمن فيما قيل، لا في الطريقة التي قيل بها. فيهتم بالشاعر أكثر مما يٌهتم بالشعر.متأثرة في ذلك بالتقليد البلاغي القديم، الذي كان يفرق بين الأجناس الأدبية بالنظر إلى الموضوعات التي تتم معالجتها. فالشعر لا يصنع بالأفكار، وإنما بالكلمات، الشئ الذي يستدعي من الشعرية أن تكون محايثة للشعر ما دام الشاعر خالق كلمات، و ليس خالق أفكار. وما دام الشعر بانزياحاته لا يحطم اللغة العادية، إلا ليعيد بناءها على مستوى أعلى متجاوزا قانونها.و الشعرية هي الكفيلة باستخراج هذه القوانين التي تكون كُلٌ صورة خرقا لها والكفيلة أيضا، بتحديد كيفية عمل اللغة العادية. وذلك ما سيتم التوقف عنده في ثنايا هذا الكتاب لملامسة الخرق المنهجي لقانون اللغة الذي يتحدد الشعر بالنظر إليه.

 

  1. المستوى الصوتي: النظم.

لا يوجد النظم بالضرورة إلا كعلاقة بين الصوت والمعنى، ولا يمكن إخضاعه للتجزيء، بحيث يكون بنية صوتية- دلالية تتميز عن المقومات الشعرية الأخرى، كالاستعارة التي توجد في مستوى الدلالة فقط.

وانطلاقا من السؤال: ما النظم الفرنسي؟ يجيب جون كوهن، بأن كل نظم هو رجوع بالمقابلة مع النثر الذي يتقدم خطيا، في حين ينكفئ النظم دائما على نفسه، وفي هذا الرجوع يكون التكرار كليا أو جزئيا،وهو قائم على تماثل الوزن وتماثل الأصوات ،هذا إذا تعلق الأمر بالنظم المطرد. أما إذا كان الأمر يتعلق بالنظم الحر، الذي لا يلتزم لا بالوزن ولا بالقافية فانه يجب إعادة النظر في هذا التعريف، انطلاقا من البحث عن الصفات في المكتوب وحده، فيما بين نثر موّقع ونظم موّقع، بحيث يكون التعريف مستجيبا لثلاثة شروط:

1- أن يلائم أصناف النظم المطرد والحر.

2- ألا ينطبق على أي نوع من النثر.

3- أن يؤسس على المعطيات الخطية وحدها (النص المكتوب).

ولتحقيق ذلك، توسل الناقد بما يدعوه تقطيع الخطاب المنظوم فكان من بين الخلاصات التي توصل إليها:

تميز صفحة النظم عن صفحة النثر بنظامها الطباعي، إذ بعد كل بيت تعود القصيدة إلى الشطر، وينفصل بيت عن آخر ببياض. والبياض هو العلامة الطباعية للوقفة أو السكوت ، وحتى إن أهملت الوقفة فإنها تظل محملة بدلالة لغوية: فهي حبس ضروري للصوت، وهي نوعان: معنوية وصوتية.

وعلى مستوى الجملة، يتم تدعيم البياض في اللغة المكتوبة، بعلامات الترقيم خاصة: النقطة والفاصلة (علامتي الوقفة)   أو الاستفهام والتعجب. (علامات التنغيم) وهي علامات تشير إلى تمفصل نحوي وسيكولوجي في آن معا.ويكون ذلك في نسق تأليف الخطاب السائد في النثر. أما عن اللغة المنظومة، فتضاف وقفة عروضية تدل على امتلاء الوزن ونهاية البيت دون أن تكون له وظيفة دلالية.

إلا أن وجود الوقفتين معا الدلالية والعروضية يكسر بنية الخطاب، ولتلافي ذلك يجب على المنشد احترام الوقفة العروضية، لأنه لا يمكن تجاهل الوزن في خطاب منظوم متى تعارض العروض والتركيب، لأن الوقفة الدلالية متحققة مادام كل بيت متبوع بوقفة قد تطول أو تقصر. ويمكن كذلك إهمال الترقيم وان كان يضعف بنية الجملة، لأنه يثقل انطلاق القصيدة ،وبالتالي كانت الضرورة تفرض التخلي عن الوقفة الدلالية خاصة وأن عملية النظم تعكس قواعد الخطاب العادي،إذ تضع الوقفة حيث يرفضها المعنى وتتخلى عنه حيث يتطلبها.

وانطلاقا من الاستقراء الذي قام به الناقد للشعر الفرنسي، خلص إلى أن خاصية اللانحوية هي الخاصية الوحيدة الموجودة في النظم المطرد، والنظم الحر معا. كما أن تقطيع النظم وتقطيع الجملة لا يلتقيان، لأن النظم ليس لا نحويا ولكنه مناف للنحو.وبما أن الجملة هي ما انحصر بين وقفتين، وكان وحدة بالصوت والمعنى في آن معا، فإن النظم هو ما خالف عنصرين بنائيين يؤالف النثر بينهما. والنظم المطرد عرف بالوزن والقافية. والقافية كما يعرفها جون كوهن:”تماثل الصوت الأخير وتماثل الفونيمات التي قد تتلوه” إذ ليست هي التي تحدد نهاية البيت، بل نهاية البيت هو الذي يحدد القافية، ولا تكتسب صفاتها إلا بوقوع النبر عليها وإتباعها بوقفة.وبدون ذلك يتعذر تمييزها عن المجانسة الصوتية الداخلية، ولا تظهر وظيفتها إلا في علاقتها بالمعنى.

و يخلص جون كوهن، من خلال هذه الوقائع، إلى أن النظم ليس مختلفا عن النثر وحسب، بل هو معارض له. فيكون الشعر مثله مثل النثر يؤلف خطابا، أي أنه يرصف سلاسل من الكلمات المختلفة صوتيا غير أن العروض يلصق فوق خط الاختلاف الدلالي سلاسل من التماثلات الصوتية. والنظم هو الذي يوزع النبر بالتساوي، ويتم إبراز كل شيء بنفس الصورة في الأبيات، أما الوقفة فتدعم التقطيع الذي ينجزه النحو والمعنى، في حين يتفنن العروض في نقل الوقفة بشكل يربط صوتيا ما يفرق بينه المعنى.

  1. المستوى الدلالي: الإسناد.

بعد أن تناول جون كوهن النظم كممثل للمستوى الصوتي، انتقل إلى المستوى الدلالي، بدءا بالإسناد الذي يهم، أساسا، العلاقات التركيبية بين الكلمات. يستدعي كوهن تصور سوسير عن الكلام، حيث يرى كوهن أن خاصية الكلام هي حرية التأليف. وهذه الحرية تختلف من حيث اعتبارنا للفونيمات أو للجمل. فتأليف الجمل يمنح الحرية أكثر في التأليف. ويقترح كوهن تعديلا على مبدأ الحرية، يرى فيه أن يكون ملتزما بالقابلية الفهم. كل شخص من حقه أن يقول ما شاء، شرط أن يفهم المخاطَب ما يقوله هذا الشخص المتكلم.

إن صحة التأليف بين الكلمات يقتضي الخضوع لقانونين، أولهما مقنن، فيما الثاني غير مقنن. ويسوق كوهن للتدليل على ذلك جملتين، الأولى يوردها بريسون، وهي “الفيلة تجرها الخيول”، أما الثانية فلشومسكي وهي: “الأفكار الخضراء العديمة اللون تنام بعنف”. الجملتان صحيحتان نحويا، ولكن القانون النحوي قانون شكلي. ويطرح كوهن تقسيما آخر باعتبار الصدق والكذب. فالجملة الأولى كاذبة لأنها قابلة لأن تكون صادقة. أما الجملة الثانية فهي غير معقولة لأنها لا يمكن أن تكون صادقة. الجملة الأولى إذن تمثل ملاءمة المسند للمسند، في حين تمثل الثانية منافرة المسند.  أما في مثال: “الأشجار تهمس” فهي من الناحية النحوية صحيحة لأنها قابلة للصيغة العامة (ج ¬س + ف). ولا يتبين اختراق هذه الصيغة للحدود إلا عندما نقسم الاسم إلى ذوات وأسماء، وهذا ما يسمى في النحو التوليدي بقواعد الانتقاء، حيث تضاف السمات التركيبية المستقلة عن السياق من نوع [+إنسان + عاقل +…]. وإلى جانبها نجد قواعد التفريع المقولي الصارمة.  علاوة على حضور سمات النحو التوليدي، يستدعي كوهن تصور نظرية الدلالة السياقية، التي ترى أن معنى الكلمة هو مجموع السياقات التي تشكل الكلمة جزءا منها.

 الإشكال المطروح، حسب كوهن، في تناول الملاءمة هو كيفية التوفيق بينها ،وبين إمكانية تعبير اللغة عن حقائق جديدة كالاكتشافات العلمية مثلا ،أو لغة الحكايات التي تتحدث فيها، فعلا، الأشجار. لكنه يميز بينها وبين الشعر، باعتبارها تنبؤنا بذلك، عكس الشعر، فتقول: اكتشف فلان… أو كان يا ما كان. بعد التحديدات العامة على مستوى الإسناد ينتقل إلى تطبيق الإجراء الإحصائي للعينة المنتقاة. فتناول الإسناد من خلال إسناد صفة إلى ذات ما. فتناول النعت، باعتباره يقوم بوظيفة التحديد. هكذا يخلص إلى غياب المنافرة على مستوى  النثر العلمي. أما الرواية فبنسبة ضئيلة.

        4 .المستوى الدلالي :التحديد.

يقدم جون كوهن التحديد، كمكون ثان للمستوى الدلالي. ويبدأ بتعريفه، باعتباره تعيينا للحدود. فهو تبيين أي الاحتمالات يراد عندما تكون الكلمة متعددة الاحتمالات. والتحديد بعبارة أخرى يكمن في إضافة كلمة أو عدة كلمات أخرى إلى الجنس. هذه الكلمات المضافة هي محددات. ويقدم كوهن تصور بعض اللغويين كبايي الذي فرق بين وظيفتين مختلفتين، هما: التحديد الكمي، وهو مرتبط بالتنكير والصفات العددية، وبين التحديد الموضعي أو المكاني، المرتبط بالإشارة والإضافة. إلا أن كوهن يقتصر في تناول مكون التحديد على الصفة، متناولا ذلك في النعت، الذي يرجع اعتماده إلى الوفرة والمردودية التي يمنحها، ويمكن تطبيق النتائج المتوصل إليها من خلال النعت على أشكال أخرى.

يورد كوهن مثالين: الأول: “إن النفس الكئيبة تضفي بشكل ما الحزن على الأشياء الأكثر إثارة للغبطة”، والثاني: “إن الموت الشاحب يطرق بقدمه باب الفقراء كما يطرق باب الملوك”. ويخلص من هذا المثالين إلى عدم إمكانية حذف “الكئيبة” في المثال الأول، وهي صفة. على عكس كلمة “الشاحب”، وهي نعت، التي لا يؤثر حذفها على المعنى في المثال الثاني. وهذا يرجع إلى تغيير قيمة صدق المثال أول في حالة حذف “الكئيبة”. وبموازاة ما سماه كوهن بالمنافرة على مستوى الإسناد يرى أن النعت، الحشو، عاجز عن تأدية وظيفته التحديدية. ولكي ينجز النعت وظيفته ينبغي، حسب كوهن، أن ينطبق على جزء من الاسم، وألا ينطبق إلا على جزء فقط. إن النعت عادة يلعب دور التحديد بطبيعته وكل نعت لا ينجز هذا الدور يعتبر انزياحا أو صورة. وهناك نمطين من الحشو النعتي وذلك حسب ما إذا كان الإسم اسم جنس أو اسم علم. وبعد تعرف كوهن على أنماط الحشو النعتي ينتقل إلى الإحصاء المقارن، تبعا للمنهج المتبع. إن الانزياح الذي يتحقق مع النعت الزائد يمكن اختزاله بحذف هذا النعت، إلا أن هذا الإجراء يبدو متعسفا.

  1. الوصل.

            إذا كانت وظيفتا التحديد والإسناد تشتغلان داخل بنية الجملة الواحدة، فإن الوصل، هو النظر في تعاقب هذه الجمل، وتأمل ارتباطها، بما يؤسس خطابا ما. وهو ما يجعل جون كوهن يعرفه في هذا السياق بالجمع.

يتحقق الوصل في اللغة العادية، في صورتين: ظاهرة، ومضمرة.ظهور الأولى، مؤسس بفضل أدوات الربط التركيبية كالواو ،و أو، ولكن .وضمور الثانية محقق بالقران    la coordination دون أداة، ولذلك، فجملة السماء زرقاء والشمس دافئة، التي يظهر فيها الربط جليا، مثلها مثل ،جملة السماء زرقاء الشمس دافئة، من حيث الدلالة رغم تجرد أداة العطف عنها.

يعد جون كوهن، القران طريقة شائعة في الربط، بل هو الشكل العادي للوصل.وما ما يجعل هذا الأخير يخضع للمقتضيات النحوية المعقدة،وما يجعله، في الآن، يستجيب للانسجام الصرفي والوظيفي للكلمات الموصولة.

وينبغي لطرفي الجملة، في نظر جون كوهن، أن يجمعهما مجال خطابي واحد ،مبني أساسا على فكرة واحدة تشكل موضوعهما المشترك.

6.ترتيب الكلمات

ركز جون كوهن في هذا الفصل، على دراسة المستوى النحوي في ترتيب الكلمات عبر عناصره الصرفية والتركيبية.فالشعر يكسر بطريقته الخاصة قوانين الخطاب ،كما رأينا في الفصل السابق . ركز المؤلف في هذا الفصل على الشعر، في علاقته بالنحو؛ أي كيف يؤثر ترتيب الكلمات أو عدم ترتيبها في إنتاج الدلالة ؟وبالتالي تحقيق الانزياح.

إن الوظائف الأساسية للنحو هي تعيين الكلمة التي تتعلق بأخرى ضمن السلسلة الخطية للرسالة.

يدرج جون كوهن، في هذا الإطار، مثالا ساقه ياكبسون يتمثل في الجملة الآتية “إن الأفكار الخضراء العديمة اللون تنام بعنف”

يعلق ياكسبون على هذا المثال قائلا:فلنفكك هذه الجملة.إننا نستخلص منها مسندا إليه في صيغة الجمع:الأفكار، ونخبر بأن له فاعلية ما/تنام، وكل واحدة من اللفظتين، ذات صفة معينة. فالأفكار عديمة اللون والنوم عنيف.وهكذا فهذه الجملة حتى و إن بدت غير معقولة، فإنها تظل جملة.وهي بذلك تحتفظ بالمعنى في الطبقة الأولى منه. وهذا حصل بفعل احترام قواعد النحو.وعكس هذا، فلو تم خرق هذه القواعد وقرأت الجملة كالآتي :”خضراء بعنف اللون الأفكار نام” لقلنا إنها ليست جملة، وإنما صف من الكلمات ليس إلا .

وهكذا تتابع الكلمات، يقول جون كوهن، دون أن تعرف العلاقة الرابطة بينها.

صاغ المؤلف ،وهو يبحث الانزياح النحوي، فرضية عامة صالحة لكل مستويات اللغة. واختار للتدليل عليها القلب،       أو الانزياح عن قاعدة ترتيب الكلمات، وميز فيه ،في  اللغة الفرنسية ،بين أربع حالات:

  • الصفات المستعملة عادة بعد الموصوف كصفات العلاقة واللون مثال: الانتخابات البلدية،ولا يقال البلدية الانتخابات.
  • الصفات المستعملة عادة بعد الموصوف على قلتها ( جميل كبير) نقول un beau tableau  ولا نقول  un tableau beau .
  • الصفات التي تعمل قبل وبعد الموصوف، مع الاحتفاظ بنفس القيمة un accident terrible /un terrible accident .
  • الصفات المستعملة قبل وبعد الموصوف بقيمتين:

Un sale gosse .un enfant sale.

وتعليقا على هذا التمييز، يقول جون كوهن، إن النعت في الفرنسية يستعمل عادة بعد الاسم، واستعماله قبل الاسم يمثل انزياحا، أي واقعة أسلوبية. و الشعر سواء، في المستوى النحوي أوفي المستويات الأخرى يتشكل بالانزياح المبني على اللغة الشائعة.

  1. الوظيفة الشعرية.

تتلخص الفرضية التي دافع عنها كوهن في كتابه في:

1-طبيعة الفارق بين النثر والشعر لغويا. ويكمن هذا الفارق في العلاقة بين الدال والمدلول التي يقيمها للشعر.

2-تتسم هذه العلاقة بالسلبية، أي خرق قانون اللغة العادية ،ولا يمكن لهاتين الفرضيتين أن تمرا إلا بوجود اعتراضين .يتمثل الأول في:

إن الورود المتواتر للانزياح في القصيدة ،لا يؤكد بأنه يمثل الشرط الضروري، والكافي للواقعة الشعرية والاعتراض الثاني، في عدم كفاية خرق القواعد لكتابة قصيدة .فالشعر والنثر، هما في نفس الآن، لهما معنى متماثل ومعنى مختلف متماثل فيما يتعلق بالمرجع، ومختلف فيما يتعلق بالإحالة، من هنا فوظيفة النثر هي المطابقة، ووظيفة الشعر هي الإيحاء. ويكمن في كل كلمة معنيان: مطابق وموحى.والمطابقة بهذا المعنى هي المعنى المسجل في المعاجم، والإيحاء هو ما يعرف الكلمة انطلاقا من صفاتها العاطفية.

ولكي يعتمد على مميز دلالي يجب الاعتماد على ثلاثة أبعاد:القيمة، الطاقة، الفعالية، فهذه الأبعاد تحدد المكون الإيحائي للكلمة ويمكن القول أن قانون اللغة العادية يعتمد على التجربة الخارجية،  ويقوم قانون اللغة الشعرية على التجربة الباطنية.هذه التجربة تتحدد بقانونين علاقة سلبية وعلاقة ايجابية، ولهذا كان للشعر نقيضان: الأول هو النثر، الذي ينقاد لقانون المطابقة.والثاني هو غير المعقول، الذي يتمرد على الاثنين معا.بهذا كانت للشعر صور، تمثل خرقا لقانون المطابقة، وبالتالي فالنتيجة هي أن سلبية المطابقة هي شرط الإيحائية،ولكي ينبثق الإيحاء، ينبغي ألا يكون بين المدلول الأول والمدلول الثاني عنصر مشترك وهذا لا يتأتى إلا بالاستعارة البعيدة.

خلاصة:

 سعى جون كوهن إلى الاستفادة من اللسانيات ومن نتائج الدراسات البلاغية القديمة، مع تفاديه للمفاهيم اللسانية التقليدية والبسيطة، فهو لا يأخذ من اللسانيات نتائجها ، ولكن طريقة البحث وروحه، فقد وقف كوهن على البلاغة وأدرك حاجتها إلى تعدي حدود التصنيف إلى البحث عن “البنية المشتركة” بين الصور المختلفة، فهو يؤكد أن الصور البلاغية تلتقي جميعا في اللحظة الأولى عند خرق قانون اللغة ،إذ يبدو عملها سلبيا تماما “فالشعر ليس نثرا يضاف إليه شيء آخر بل إنه نقيض النثر، وبالنظر إلى ذلك يبدو سالبا تماما، غير أن الشعر لا يحطم اللغة العادية إلا ليعيد بناءها وهذه مرحلة ثانية.

وتتلخص أهم مظاهر الانزياح التي تقدم بها جون كوهن فيما يلي:

1- سعي اللغة إلى ضمان سلامة الرسالة بواسطة الاختلاف الفونيماتي فيعمل التجنيس و الثقافة على عرقلة هذا الاختلاف بإشاعة التجانس الصوتي و تقويمه.

2- يعمل النظم على خرق الترابط الدلالي و النحوي الذي تعمل اللغة تقويته بين الجمل.

3- الشعر يعمل على تشويش الرسالة التي تعمل اللغة على ضمان علاقتها و ذلك بالتقديم و التأخير.

4- إسناد الشعر صفات غير معهودة إلى الأشياء بعكس اللغة.

5- تحدد اللغة الأشياء اعتمادا على صفات تفرق بين الأنواع، بينما يتجه القراء تعريف النوع و تمييزه بالصفات.

6- تغييب الشعر للمقام الذي به تحدد اللغة العادية الأشياء.

يقوم منهج كوهن على المقارنة بين النثر والشعر. إلا أن المقارنة بين لغة الشعر ولغة النثر (العلمي)، كما يرى عبد الإله سليم، عملية غير واردة لبعد المسافة بين المجالين من جهة، ولضرورة وجود سمات مشتركة ومتشابهة تتيح الفرصة أمام عملية المقارنة. وهذه السمات نادرة وبالتالي المقارنة عصية.. يرى عبد الإله سليم أن صيغا من قبيل صافحت أسدا، أو وجه الخليفة قمر، فقدت بعدها الجمالي، هذا البعد الذي يبرر به مناصرو الانزياح هذا المفهوم،  فالكل يعرف أن دلالة الرجل أسد الشجاعة.

يبدو أن تصور كوهن للاستعارة تصور استبدالي يكرر تصورات القدماء دون النظر إليها من منظور انتقادي النظر إلى الاستعارة: معنى مباشر وغير مباشر، وهذا لا يستوعب الاستعارات الاضطرارية. أو اليومية: رجل المائدة، ورقة الكتاب، جناح الطائرة. خلاصة سليم عن الانزياح أنه مفهوم غير دقيق ويطبعه الإقصاء حيث يفترض غياب ما يطرد في لغة النثر. علاوة على أنه يقصي إمكانية النظر في لغة الناس العاديين.

من الاتجاهات التي استعملت الانزياح، “مدرسة مو Muأو “جماعة لييج Liége”، حيث تستعمل المدرسة المعنى المجازي والمعنى المباشر للتعبير عن المعيار والانزياح. أما المعيار عندها فهو كل ما ينتمي إلى سنن اللغة، وتطلق الجماعة عليه مصطلح درجة الصفر degré zéro. والانزياح عندها هو تحويلات تصيب المعايير فتغيرها وتتصرف فيها وتخرج الجماعة عن الانزياح التحويلات الاضطرارية كأن يستعير المرء لشيء لا اسم له اسم غيره وتبقي في الإطار على التغيرات ذات الأثر الجمالي أو الشعري، والتي نجدها حسبهم في الشعر والسخرية وغيرهما من الأساليب البليغة (ص.53).

موقع وشم

تعليقات فيسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *