الرئيسية / دراسات / قراءة في مقدمة كتاب: الأدب العربي في المغرب الأقصى

قراءة في مقدمة كتاب: الأدب العربي في المغرب الأقصى

adab 3arabi

ينطلق تأملنا لكتاب “الأدب العربي في المغرب الأقصى”، من حاجتنا إلى الاطلاع على هذه التجربة المهمة في زمنها، المتجددة دائما بإعادة قراءتها، وتأملها ومساءلتها. تتجدد بهذه القراءة أسئلة عن بداية النقد المغربي، وعن قضايا شغلت بال الأدباء الأوائل.

    لمحمد بلعباس القباج موضع قدم في هذا المسار النقدي، وفي كتابه هذا تجسدنت هذه الرغبة الملحة في جمع هذه المنتخبات الشعرية، فلا يتأسس مستقبل الأدب المغربي إلا بتأمل هذه النصوص النقدية الأولى والإنصات لها.

    مقدمة كتاب الأدب العربي في المغرب الأقصى وقفة للتأمل، وفي هذا التأمل أكثر من سؤال! .

I-المنطلق النظري :

   1-دواعي التأليف :

          أ-المسامرات الأدبية:

    يتغيا الحديث عن راهن النقد المغربي، ودوره في إثراء المشهد الثقافي و الأدبي، الرجوع إلى النصوص النقدية الأولى، وإعادة قراءتها، قراءة تستجيب لحاضر الثقافة و الأدب، وتعيد بشأنها، بناء أحكام، تأخذ في الاعتبار، مستقبل النقد المغربي بما هو رؤية في الحاضر متجددة بأسئلة المستقبل.

    يسوق محمد بلعباس القباج دواعي تأليف كتابه، بتأمله في وضعية الأدب المغربي، بين الآداب الأخرى، وهي وضعية فيها من الخمول و الانحطاط، ما يبعث على السؤال المشروع: لماذا لا يرقى أدبنا المغربي إلى مصاف الآداب الأخرى؟

     هذا السؤال، وغيره من الأسئلة التي أرقت المشتغلين والمتأملين من الأدباء المغاربة في أدبهم، إنما هي وليدة مناقشات و مسامرات أدبية لهؤلاء، وهي مناقشات وصفت راهن الأدب آنذاك، وأسست بشأنه، أحكاما كان كتاب محمد بلعباس القباج أحد صورها.

    تأسست هذه الأحكام بناء على هذه المقارنة التي أجراها المتأملون في وضعية الأدب المغربي، هذا التأمل الذي استحضر التطور و التجديد، الذي عرفه الأدب المشرقي، بعد حركة البعث و الإحياء، التي قادها شعراء وأدباء، من أمثال: محمود سامي البارودي وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم.

    كتاب “الأدب العربي في المغرب الأقصى” هو أول أنطولوجيا شعرية مغربية، كتبت   بحس نقدي، اعتمد فيها مؤلفها على تصنيف و انتقاء شعراء تلك المرحلة، و إدراج بعض المنتخبات من شعرهم، هذا الانتقاء إنما أفرزته هذه الضرورة، في جمع هذه المنتخبات الشعرية، و كان في نية محمد بلعباس القباج، أن يعرض بشأنها لمجموعة من الآراء النقدية، وأن يبسط رأيه في شعر هؤلاء، لكن اكتفى بجعل هذا الكتاب ديوان شعر مغربي، ولا يخلو هذا الجمع من منطلق ورؤية بها يتأسس هذا الجمع و يستقيم.

      ب- صورة الأدب المشرقي في الأدب المغربي:

       في تلك المسامرات كان القباج يحاور أصدقاءه من النخبة المثقفة، في وضعية الأدب العربي و أسرار تطوره، باعتبار المغاربة، كانوا على اتصال مستمر بما يجري في المشرق عبر البعثات التي كانت ترسل قصد الدراسة وطلب العلم.

    وقد كانت الفئة المثقفة، تتشوف إلى وضع أولى خطواتها على الطريق التي سلكها المشارقة، في المجالات المتعددة، فكان التأثر بنهضة المشرق حاضرا، في الحالة المغربية، وإن لم يأخذ طابع المدرسة المتكاملة. فالمتتبع لحركة الإنتاج الفكري الشعري منه والنثري داخل المغرب، خلال تلك الحقبة المهمة، من تاريخه، سيجد ارتباط هذا المنتوج بالفكر القومي العربي و السلفية كفكر ديني إصلاحي. وكثيرا ما قرن الشعراء المغاربة مصير المغرب بمصير العالم العربي، وتجاوبوا مع شعراء المشرق في دعواتهم أمثال: أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، ومعروف الرصافي.

    إن الاتصال بالشرق و بنهضته الفكرية، تم عن طريق حركة النشر التي تطورت في المشرق، وبدأت في إرسال الكتب والمجلات و المنشورات لكبار المفكرين والأدباء أمثال: محمد عبده، والبارودي، والمنفلوطي، وغيرهم من رواد النهضة الأدبية والفكرية في العالم العربي. من تم تنسم المثقفون المغاربة نسائم هذه النهضة، ورتعوا في مرتعها، وجالوا بين رياضها، ولكن هذه النسائم وهذه الجولات هزت نفوس المتنورين، من المغاربة للتفكير في وضع الأدب المغربي والبحث له، عن مركز وجود بين الآداب الناهضة، فتصدى القباج لهذا المراد، وقرر جمع و تأليف كتاب يضم بين دفتيه تراجم شعراء مغاربة، و أشعارهم، حتى يعطي صورة صادقة عن الشعر المغربي، ويقر بأن حاضر هذا الشعر لا بد أن يجد له مكانا في المستقبل، عبر التصريح بأن للمغرب شعراء يستحقون الإشادة و الثناء لهم نصوص صادرة عن رؤيا إلى الذات وإلى الآخر.

2- تحديدات أولية:

    أ-عنوان الكتاب:

    “الأدب العربي في المغرب الأقصى”، عنوان يطرح أكثر من سؤال، فهو المدخل إلى فهم أول ديوان للشعر المغربي، كتب في بداية القرن العشرين، وضم بين دفتيه منتخبات شعرية لمجموعة من الشعراء المغاربة. وأول ما يجب ملاحظته بشأن عنوان هذا الكتاب، أن محمد بلعباس القباج، استعمل لفظ: “العربي “بدل “المغربي”، كأنه وجد في جمع هذا الشعر المكتوب باللغة العربية، سبيلا للخروج من وضعية الخمول والانحطاط التي عرفها الأدب المغربي عامة لارتباط تلك اللغة بالثقافة الدينية السائدة التي ترى في لغة القرآن نموذجا ومثالا.

   كان اختيار اللغة العربية في كتابة الأدب المغربي، نوعا من الدفاع عن الهوية المغربية، ومواجهة المد الاستعماري الفرنسي، باعتبارها لغة مهيأة آنذاك لاحتواء الأفكار الجديدة والتعبير عنها.

    إن عبارة “الأدب العربي في المغرب الأقصى” تستحضر وجوبا الحديث عن من يمثل هذا الأدب و ينتجه، ويسميه، لذلك انطلق محمد بلعباس القباج، من فرضية :أن من يمثل الشعر المغربي، هم أولئك الذين مضوا وقضوا من الأدباء، الذين عاصروه من الشعراء.

 حديثنا عن عتبة العنوان بما هو منطلق رئيس، له من الوظائف ما يساعد على فهم المعاني والأفكار التي ركبت عليه[1]، فهو المدخل إلى فهم مقدمة، وفصول أي كتاب. كما للغة حضورها الدال في اقتحام وغزو فضاء النص.

    ب-لغة المقدمة:

    يبني محمد بلعباس القباج، مقدمة كتابه، بالاعتماد على لغة عربية، تنهل من المعجم العربي القديم، ويتمظهر ذلك جليا، في طريقة تركيب الكلام، حيث تبدو الكلمات متراصة وموزعة بانتظام، يغلب عليها الطبع، وتبعد عن التكلف.

    وبناء الجملة عند محمد بلعباس القباج، يعتمد الجمل الطويلة، بما هي متواليات من المعاني المترابطة، لا نكاد نجده يتوقف إلا عند الانتهاء من الفقرات، و توزيع علامات الترقيم عنده خاضع، لتمام معنى الجملة دلاليا، وليس إعرابيا، وهو ما يفسر هذا الطول. تبتدئ فقرات هذه المقدمة في الغالب بجمل اسمية، أو أشباه الجمل التي تعكس الدلالة على الثبات و الإقناع، ويعتمد في البناء أيضا  من الناحية التركيبية، على كثرة أدوات الربط، بين الفقرات، فتارة يوظف الفاء، وتارة يوظف الواو، و يوظف ثم تارة أخرى، كما استعمل قد، وهكذا غير ما مرة.

    أما من الناحية البلاغية، فقد عمد محمد بلعباس القباج، إلى توظيف الجمل الخبرية، أكثر من توظيفه الجمل الإنشائية للدلالة على أن آراءه قابلة للمساءلة.

     لمحمد بلعباس القباج، طريقته  في بناء الجمل الشرطية، فتطول عنده جمل: فعل الشرط، بمقابل جمل الجواب، كما تطول عنده الجمل الاعتراضية.

     إلى جانب هذه اللغة الفصيحة، نجد محمد بلعباس القباج، يورد مفردات دينية، وعلى قلتها(ثلة –ناصية-الحسنيين-سفر) تحيل على خطاب تقليدي ديني. ولأن محمد بلعباس القباج، خريج جامعة القرويين، بدا من البديهي حضور هذه الثقافة الدينية والتقليدية، في حال الكتابة عنده.

    بقي أن نشير في الأخير إلى أن محمد بلعباس القباج، ضمن مقدمته عنوانا فرعيا، وحيدا، أفصح فيه عن غايته من جمع الكتاب.

II– منهــج التأليـــف:

1- مفهوم الطبقات:

    أ  -تـعـرف واختيار:

    تعد مقدمة محمد بلعباس القباج، أولى المحاولات التي انشغلت بالسؤال عن وضع شعرنا المغربي، لأن صاحبها انطلق من إحساسه وإدراكه للأزمة التي ارتبطت بالأدب المغربي في تلك الفترة، من هنا كانت إرادته إسماع صوت هذا الأدب الغريب، المريد للانعتاق و تحقيق الوجود في زمن طغى فيه الصوت المشرقي. فتنبه المؤلف إلى كل هذا وسارع إلى إخراج إحساسه، إلى حيز الفعل، فسلك منهجا يتتبع من خلاله اتجاهات الأدباء و مراتبهم وعلاقتهم بالماضي، والحاضر. فقسم الشعراء الذين عاصروه تقسيما ثلاثيا في طبقات:

1-طبقة الأدباء الكبار:الممثلين لأدب الماضي، حبيسي الغرضية الموروثة.

2-طبقة الأدباء المخضرمين: الذين نالوا من الماضي حظا وفيرا، وأخذوا من الأدب الحديث بعض معانيه ومقاصده.

3-طبقة سماها الفئة النابتة: التي تربت في عصر جديد يؤمن بالإبداع و الاختراع، وجاءت أفكارها مطابقة لروح العصر.

    على هذا النسق رتب المؤلف كتابه، ونطرح بشأن هذا الترتيب سؤالا:هل هذا التقسيم الطبقي للشعراء المغاربة جاء عفويا أم له مرجعية نظرية؟

    هذا سؤال يهم الباحث الذي ينشغل بالبحث في المرجعيات والخلفيات النظرية لكتابة معينة، وليس بالإمكان الجزم بجواب حتمي، لكن من حقنا أن نبادر بالبحث عن إشارات تضيء عتمة هذه الطريق.

    ولنتأمل بداية في الوضعية النظرية لكلمة “طبقة” عبر الإنصات لمعجم لسان العرب الذي جاء فيه:

“الطبقة:المرتبة و الدرجة و المنزلة، الناس طبقات أي درجات في العلم والمال وغيرهما، ومنه طبقات الشعراء، الجيل بعد الجيل، أو القوم المتشابهون في سن أو عهد. أو فئة من الناس ذات خصائص معينة”[2].

    عدنا إلى اللسان لنهتدي إلى مسوغات ذلك التقسيم، الذي أقامه محمد بلعباس القباج، ونعرف معتمده هل كان قائما على معيار السن، أم على معيار الأحوال و المذاهب؟

    وهذا التحقيب الذي وضعه القباج، في الغالب، لا يقوم على معيار داخلي للكتابة، بل يخضع إلى  ما سبق إليه المحدثون في تبني التنظيم على الطبقات، لخدمة و دراسة الحديث النبوي، و أول الكتب التي وصلتنا هي طبقات ابن سعد المتوفى سنة 230هـ، وطبقات الفقهاء و المحدثين للهيثم بن عدي المتوفى سنة 207هـ، وطبقات أهل العلم و الجهل لواصل بن عطاء.

    كما يمكن أن يكون القباج قد تأثر بابن سلام الجمحي في كتابه طبقات فحول الشعراء” الذي ظهرت أولى طبعاته سنة 1913،وتلتها طبعة سنة 1916 و أخرى سنة 1920.وقد عنى ابن سلام في كتابه بلفظ الطبقة كمذهب و منهج، فقسم الشعراء إلى مذاهب ومناهج، وإذا تأملنا تقسيم القباج المنهجي وجدناه يقترب من تقسيم ابن سلام، فهذا الأخير قسم الشعراء إلى طبقة الجاهليين، وطبقة المخضرمين، وطبقة المولدين، والقباج قال بطبقة الكبار وطبقة المخضرمين والطبقة النابتة.

2- مفاهيم نـقـديــة:

    أ-التقليد و التجديد:

    إن هذه الصفحات القليلة تحمل في طياتها هما نقديا يتغيا إثبات الحق في تأمل الذاكرة الثقافية المغربية، التي أحس الكاتب بأنها مهجورة لا تكاد تذكر، أو خاملة الذكر. وهو يطرح سؤال الوجود، و سؤال السمعة مقارنة مع الأدب المشرقي، و يضع مفاهيم تستنطق ذاتها، وتعلن عن ارتجاجات: مفهوم التقليد والتحديث والشاعرية الصحيحة ووظيفة الشاعر، ويستدعي الحديث عن هذه المفاهيم  أن نضع أيدينا على الخطوط الأساسية للخلفية السياسية والفكرية للفترة التي عاشها المؤلف، حتى نتعرف المنابع التي استقى منها مفاهيمه. فقد عرفت تلك الفترة ظهور الحركة السلفية التي تسعى إلى خلق فرد صالح للمجتمع له قدرة على الوقوف دفاعا عن الإسلام وعن الأمة.

    ولهذا لم يخف المؤلف مقاصده العامة المتأثرة بهذه الحركة والتي تتجاوز حدود الأدب لتغدو مساهمة في إبراز الهوية المغربية، لهذا الشعب. حيث يقول في خاتمة تصديره: “وعسى أن أكون قد قمت ببعض ما يجب علي نحو الشعب، وأدبه.”[3]

    وهذا يدعونا إلى الحديث عن قدرة النقاد والأدباء المغاربة في تلك الفترة، على بناء شخصيتهم، الأدبية الخالصة، التي كان من الصعب أن تظهر بفعل سلطة التقليد، المترسخة عند العموم، وحتى عند النخبة المثقفة.

    لا يمكن أن نحمل أدباءنا و نقادنا هذا العبء لأنهم حاولوا الخلاص وإثبات الذات ورفع مركب المهانة الأدبية التي فقه المغاربة أن أوان زوالها قد حان. فقد ظهر الكتاب في فترة مخاض عسير، في الوقت الذي كان فيه طه حسين يهز أركان الدولة العربية عبر منطلقه النظري (التشكيك في الجذر الجاهلي للشعرية العربية من خلال كتابه :في الشعر الجاهلي (سنة 1926). بينما محمد بلعباس القباج يسعى إلى توكيد حضور أدب عربي في قطر عانى أدبه من الإنكار –إسمه المغرب الأقصى- وقد كان السعي يأخذ صفة المبادرة الفردية، ومن ثم غاب التنظير الحقيقي الذي دفع إلى سيادة التجريب[4].

    فالقباج اقتحم هذا المجال مجربا كاسرا طوق الحصار، الذي كان مضروبا على كل ما هو مغربي، ليعبر عن تلمس بلد  طريقه إلى النهوض، هذا المفهوم الذي استقاه المؤلف من المشرق، وحاول استشراف أفق جديد من خلاله، لاسيما أن النهضة المشرقية بلغت نضجا على المستوى الأدبي و الفكري، وكانت أصداؤها تصل إلى المغرب سرا و علانية، ومنها أثار الأدباء والشعراء والموسيقيين في مصر وسوريا والعراق ولبنان[5].

    ومن هنا قال القباج بظهور مشروع تحديثي جديد داخل المغرب يسعى إلى التجديد والابتكار على المستوى الشعري و الأدبي، جنح أهله إلى دخول عالم الكتابة السهلة التركيب، الواضحة الفكرة، وطرق موضوعات  جديدة تنسجم وأحداث المجتمع الجديد، وتعبر عن تجارب الشعراء وعواطفهم وأفكارهم، و من تم تعدد الأغراض ما بين الوطني والذاتي.

   نستنتج من خلال التقسيم الذي وضعه القباج لشعرائنا، أن الشعر المغربي لم ينهض تلك النهضة الحقيقية الهادمة، بل كانت تبني ذاتها شيئا فشيئا، فمن الطبقة الأولى، التي كانت تستظل بظلال الماضي(العصور العربية القديمة- الأندلس) وتغرق في الموضوعات المستهلكة، إلى طبقات جديدة عبرت عن الحاجة إلى ذوق جديد تمحي فيه القوالب الجاهزة تدريجيا، وهي الطبقة المخضرمة، التي لم تستطع التخلي عن القديم نهائيا، بل تاقت إلى تنفس هواء جديد، كانت وجهته المشرق في عصر النهضة، ثم طبقة نابتة، تاقت إلى التحرر و الارتباط بمفاهيم جديدة: الوطن، العروبة… و تأثرت بعلوم العصر الحديثة، فجاء شعرها موافقا لهذه الروح الجديدة.

ب-الشاعرية الصحيحة:

    يربط القباج الشاعرية الصحيحة باتخاذ الشاعر موضعا في سياق اجتماعي محدد باعتباره عضوا، يتغنى بأمجاد الأمة و الشعب، ويسعى إلى إصلاح هيئتها الاجتماعية، ويستنهض همم أفرادها.

    وهذا يعني أن الشاعر في نظره، يغترف لغته من المحيط الذي يعيش فيه، أي المحيط السياسي، والاجتماعي و الديني، والأخلاقي، واللغوي، الذي يقيده تقييدا صارما. يقول القباج: “عاد أدباؤنا الذين لم تتأصل فيهم جذور تلك الوراثة (…) ولم تتعود بعد أفكارهم الجمود على تلك التقاليد والاقتصار على تلك الأساليب، إلى أن يشحذوا قرائحهم من جديد، ويوجهوها إلى ما فيه نفع الأمة، ويعود عليها بصلاح هيئتها الاجتماعية، من استنهاض الأمم، ولفت الأنظار إلى الحالة التي وصل إليها الشعب من جهل عام وانحطاط في الأخلاق، وعبث بالدين”[6].

    وهكذا فالشاعر مرغم على قبول معايير ثابتة وملزمة ودوره الأساسي هو التعبير عن هذه المعايير. إذن غابت هنا شخصية الشاعر المتفردة، ويظهر هذا أن القباج ظل أسير المفاهيم التقليدية، في النظر إلى الشاعر ووظيفته. نحن لا ننكر أن التقاليد والأعراف قد تسربت عميقا في أوساط النخبة المثقفة، وأُسقِطت على بذور النقد الأولى التي عرفها الأدب المغربي الحديث.

    ولعل القباج أحس بأن هذا الوضع غير سليم، ولهذا نجد ريادته الفعلية في عالم  النقد، ستتضح وتتعمق أكثر في مقالته التي أتت لاحقة، تحت عنوان “لذعات بريئة” والتي نشرها في “مجلة المغرب”خلال الثلاثينات وفيها واجه بجرأة البنية التقليدية، الراسخة في الشعر والنقد المغربيين، وانتصر للشعر الجديد المتصل بالتجربة الذاتية للشاعر، ودعا إلى التجديد الشعري الذي يربط القصيدة بالإنسان والطبيعة، وهنا نورد مقطعا من مقاله الذي يقول فيه منتقدا شعر علال الفاسي: “أما مظهر الجمال الطبيعي في شعره -يقصد شاعر الشباب- فربما كان معدوما إلا أبياتا معدودة متفرقة هنا وهناك أتت عفوا وعرضا غير مقصود، وهذا ما انتقدناه على شعرائنا مرارا، وناديناهم تكرارا، أن في مغربنا رقة النسيم وصفاء الأديم، وسحر الطبيعة، وجمال الربيع، وألوانا من الحس، وأفنانا من الجمال، لو أرادوا الخروج عن مطروقاتهم التقليدية[7].

خاتمة:

    أسس الاشتغال على هذه المقدمة، رغبة في الاطلاع على حفريات شعرنا المغربي الحديث. بهذا الممكن يقتفي الباحث هذه الطريق، و في الطريق ما يغري على تحمل أعباء هذه المغامرة. من أحق بالتنقيب عن هذه الحفريات؟ من هذا الباحث الذي يرج بأسئلته مسلمات قراءة لا تستجيب لحاضر الثقافة  والأدب، ولا تبني بشأن هذا الحاضر سؤالا معرفيا، بين الممكن، وغير الممكن، نعلن بداية هذا السفر الطويل.

لائحة المصادر و المراجع:

  1. محمد بنيس،الشعر العربي الحديث،بنياته وإبدالاتها،ج1،التقليدية،دار توبقال للنشر،الدار البيضاء،ط2001،2؛
  2. محمد بلعباس القباج،الأدب العربي في المغرب الأقصىالمكتبة المغربية،شارع القناصل،عدد 250،ط1929،1؛
  3. ابن منظور،لسان العرب،قرص مدمج؛
  4. محمد أديب السلاوي،الشعر المغربي،مقاربة تاريخية1830-1960،مطابع إفريقيا الشرق،الدار البيضاء؛
  5. محمد بنيس،ظاهرة الشعر المعاصر،مقاربة بنيوية تكوينية،دار العودة،بيروت،لبنان،ط1979،1؛
  6. محمد بلعباس القباج،لذعات بريئة،شاعر الشباب،مجلة المغرب،ع10،مارس1935.

[1] .محمد بنيس،الشعر العربي الحديث،بنياته وإبدالاتها،ج1،التقليدية،دار توبقال للنشر،الدار البيضاء،ط2001،2؛

[2] ابن منظور،لسان العرب؛

[3] محمد بلعباس القباج،الأدب العربي في المغرب الأقصىالمكتبة المغربية،شارع القناصل،عدد 250،ط1929،1،ص و؛

[4] محمد بنيس،ظاهرة الشعر المعاصر،مقاربة بنيوية تكوينية،دار العودة،بيروت،لبنان،ط1979،1،ص293،

[5] محمد أديب السلاوي،الشعر المغربي،مقاربة تاريخية1830-1960،مطابع إفريقيا الشرق،الدار البيضاء،1986،ص110؛

[6] محمد بلعباس القباج،كتاب الأدب العربي في المغرب الأقصى،ص ج-د؛

[7] .محمد بلعباس القباج،لذعات بريئة،شاعر الشباب،مجلة المغرب،ع10،مارس1935،ص11؛

تعليقات فيسبوك

شاهد أيضاً

” الأيْنُ و الملاذ ومقام ” الرضى ” في ديوان ” ملاذ ” للشاعر عبد اللطيف شهبون

       ونحن نقرأ في التجربة الشعرية، للدكتور عبد اللطيف شهبون، ما نفتأ نعثر ...

تعليق واحد

  1. شكرا على هذه الدراسة القيمة
    وعلى هذه الالتفاتة إلى هذا الكتاب

    سعدون الكلميطي من موريتانيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *