الرئيسية / دراسات / قراءة في كتاب “قضايا الشعرية” لرومان ياكبسون

قراءة في كتاب “قضايا الشعرية” لرومان ياكبسون

يرى كثير من الدارسين أن إعطاء تعريف واحد، وقار للشعرية أمر صعب، وذلك لأن منافذها متعددة، واشتغالاتها مختلفة وامتداداتها واسعة. ومعلوم أن تودوروف قد حاول حصر مفهوم الشعري في المعاني الآتية:

1 ـ هو كل نظرية داخلية للأدب.

2 ـأو هو مجموع الإمكانات الأدبية (التيماتيكية، التركيبية، الأسلوبية…) التي يتبناها كاتب ما.

3 ـ هو كل إحالة على الترميزات المعيارية الإجبارية لمدرسة ما.

إن الشعرية حسب هذه الاقتراحات الثلاثة، وخاصة الاقتراح الأول، هي الكشف عن القوانين الجمالية التي تسمح بالقبض على وحدة النصوص الإبداعية وتنوعها.

 و ظل موضوع الشعرية غير محدد بشكل واضح،كما غشاه الالتباس،و سبب ذلك تعدد المرجعيات و المنطلقات النظرية التي ينطلق منها المشتغلون على هذا الحقل.

و يعد ياكبسون،من المساهمين الفاعلين في هذا الدرس. وأهمية عمل ياكبسون تتجلى في كونه لسانيا و شاعرا في آن. فكيف ينظر ياكبسون إلى المسألة الشعرية ؟ و ما الجديد في طرحه؟

ما الشعر؟

الانسجام يتولد من التباينات، والعالم كله يتكون من عناصر متعارضة بسياج نظري يؤطر به ياكبسون العلاقة القائمة بين ما هو شعر وما ليس شعر. ما الذي يتحكم في تحديد طبيعة الشعر. أهي الصدفة أم القصدية؟ سؤال يذكرنا بالنقاد والشاعرين العرب القدماء الذين تحدثوا عن مصطلح النية، وفاعليته في تحديد ما هو شعري. لكن ياكبسون يجعل الفعل الإبداعي ليس مرتبطا بالضرورة بتلك القصدية. فالصدفة والجنون وعدم الخضوع لأدوات مضبوطة. أرواح تشكل في كثير من الأحيان الفعل الإبداعي.

الأدوات الشعرية التي يعتقد الكثير أنها تحدد حدود الشعر، تتجسد ذاتها في خطابات غير شعرية. من الخطاب الموجود في بطاقة الدعوات إلى خطاب الاستطلاع.

في الحديث ذاته، يشير ياكبسون إلى جدلية الصدق والكذب في الشعر والعلاقة بين الدليل والشيء المدلول عليه. في الحوار مع أصوات متعددة. لكل منها مكان قراءة. فمنهم من يرى بأن الممثل حين يزيل القناع، فإنما يفعل ذلك ليبين مساحيقه. فيما يرى البعض أن العلاقة بين الدال والمدلول علاقة زواج أبدي. ليرى آخر أن الإحساس الخالص هو الممتزج بإحساس مناقض له إن السؤال المطروح هو: هل ما نقرأه من أثر شعري، يمثل إبداعا أم هو الحياة الخاصة؟

هل يخترق الفن حياتنا الشخصية وبخاصة الاجتماعية ؟ ومن ثم يجعل للشعر مفهوما غير ثابت يتغير بتغير الزمن.. أما الوظيفة الشعرية عنصر فريد مستقل.

إن الوظيفة الشعرية كالزيت الذي يغير مذاق كل ما يؤكل إلى درجة أن السمكة تغير اسمها لتصبح سمكة بالزيت.

إن هيمنة هذه الوظيفة في الأثر الأدبي هي التي تسوقنا إلى الحديث عن شعر. فهي المنظمة له دون أن تبرز بروز العروس.

جعل الوظيفة الشعرية مهيمنة محاولة علمية لجعل الواقعة الأدبية قابلة للرصد العلمي. رغم عدم اقتصار تلك الوظيفة على القول الشعري. بل سكونها في فنون أخرىكالشعارالسياسي والخطاب الإشهاري. من هنا منطلق ياكبسون في تغليب الوظيفة الشعرية على باقي الوظائف. والحديث عن هذه الوظيفة سيفصل فيه الزملاء.

اللسانيات و الشعرية:

يطرح ياكبسون قضية اللسانيات والشعرية، كقضية لسانية من شأنها البحث في علاقة الميدان اللساني بالشعرية. علاقة يحكمها الاختلاف النوعي الذي يفصل فن اللغة عن الفنون الأخرى وعن الأنواع الاخرى للسلوكات اللفظية.

ينطلق ياكبسون من سؤال، يكون جوابه تحديدا لموضوع الشعرية. وهو: “ماالذي يجعل من رسالة لفظية أثرا فنيا؟”[1] نفهم من هذا السؤال أن ياكبسون يركز على أن اللغة هي الصلة، التي تجعل للشعرية علاقة باللسانيات. ويؤكد ذلك بقوله: “إن الشعرية تهتم بقضايا البنية اللسانية، تماما مثل ما يهتم الرسم بالبنيات الرسمية. وبما أن اللسانيات هي العلم الشامل للبنيات اللسانيات، فإنه يمكن اعتبار الشعرية جزءاً لا يتجزأ من اللسانيات”[2]. من هنا يتضح، أن ياكبسون لا يخرج عن إطار تصور طودوروف للشعرية في علاقتها باللغة.

إن ربط ياكبسون الشعرية بقضايا البنية اللسانية لا يعني أنه يغفل الجانب الدلائلي السميولوجي فيها. فاللغة، بالنسبة لياكبسون، تتقاسم العديد من الخاصيات مع بعض الأنساق الأخرى من الدلائل. وهو بذلك يرد عى الاعتراضات، التي وجهت لطرحه. مؤكدا أن اللسانيات تكاد أن تكشف كل المشاكل التي تطرحها العلاقات بين الخطاب وعلم الخطاب.

وفي نفس الإطار يرد ياكبسون على القائلين بأن للشعرية، في تعارضها مع اللسانيات، مهمة الحكم على قيمة الأثار الأدبية. إذ يراه قولا خاطئا يخلق إلتباسا بين الدراسات الأدبية والنقد. لأن تقييم الأعمال الأدبية ليس هو تحليلها ودراستها دراسة علمية.

يرى ياكبسون أن مسألة إبعاد الشعرية عن اللسانيات مسألة لا مبرر لها، إلا إذا تم الإقرار بحصر مجال اللسانيات حصرا مفرطا. وهذا أمر يرفضه ياكبسون، لأن كل لغة تشمل العديد من الأنساق المتزامنة التي يتميز كل نسق منها بوظيفة مختلفة. ولدراسة اللغة، حسب ياكسون، يجب الإنتباه إلى ضرورة دراستها ضمن تنوعات وظائفها.

وبما أن الوظيفة الشعرية هي مركز هذه الدراسة، فإن فهمها مرهون بتحديد موقعها ضمن الوظائف اللغوية الأخرى. ولتوضيح هذه الوظائف، استعان ياكبسون بخطاطة تبسيطية لفهم العناصر المكونة لكل سيرورة لسانية ولكل فعل تواصلي لفظي. تشمل هذه الخطاطة مرسِلا يوجه رسالة إلى مرسَل إليه. ولتحقق فاعلية هذه الرسالة تقتضي سياقا يدركه المرسل إليه. وهذا السياق إما أن يكون لفظيا أو قابلا لأن يكون كذلك، كما أن هذه العملية تتطلب سننا مشتركا، كليا أو جزئيا، بين المرسل والمرسل إليه، وقناة تربط بينهما نفسيا.

                                                           سياق

                                  مرسل—————-  رسالة  ——————مرسل إليه

                                                            اتصال

                                                            سنن                                                   [3]

يحدد ياكبسون، انطلاقا من هذه الخطاطة التوضيحية للفعل التواصلي اللفظي، ست وظائف لسانية أساسية. تتولد هذه الوظائف عن العناصر الستة المكونة لكل سيرورة لسانية. وهيمنة إحدى الوظائف اللسانية في رسالة معينة لا يعني، حسب ياكبسون، تغيب المساهمة الثانوية لباقي الوظائف اللسانية. يقدم ياكبسون هذه الوظائف الست في:

  1. الوظيفة المرجعية: وظيفة تركز على عنصر السياق أو المرجع في العملية التواصلية. وتعد هذه الوظيفة الأكثر حضورا في العديد من الرسائل.
  2. الوظيفة التعبيرية أو الانفعالية: تهتم هذه الوظيفة بالمرسل. وتعبر بشكل مباشر عن موقف المتكلم تجاه ما يتحدث عنه.
  3. الوظيفة الإفهامية: ترتبط الوظيفة الإفهامية بالمرسل إليه وبفهمه للرسالة.
  4. الوظيفة الإنتباهية: هذه الوظيفة تستهدف عنصر الاتصال، الذي يحافظ على استمرارية الاتصال بين المرسل و المرسل إليه.
  5. الوظيفة الميتالسانية: تتحدد هذه الوظيفة انطلاقا من السنن المشترك بين المرسل والمرسل إليه.
  6. الوظيفة الشعرية: وهي الوظيفة الأساس في هذا الدرس، التي يربطها ياكبسون بعنصر الرسالة. إذ يرى أن استعاب هذه الوظيفة الشعرية، يقتضي عدم عزلها عن المشاكل العامة للغة. كما لا ينبغي تحليل اللغة تحليلا دقيقا دونما الالتفات إلى الوظيفة الشعرية.

من هنا جاء اعتراض ياكبسون على من يختزل الوظيفة الشعرية في الشعر. فحسب ياكبسون، لا يمكن للسانيات، وهي تعالج الوظيفة الشعرية، أن تقتصر على مجال الشعر. ودليله في ذلك، حضور الوظيفة الشعرية في الخطابين اليومي والسياسي، كما في الشعار السياسي I like Ike، الذي يتضمن مقاطع صوتية فيها من التنوع والتراجع الصوتي ما يخلق صورة تجنيسية تجعل الدور الثانوي للوظيفة الشعرية يقوي وقع هذه الصيغة الانتخابية ويعزز فعاليتها. فخصوصيات الأجناس الشعرية المختلفة تستلزم مساهمة الوظائف اللفظية الأخرى بجانب الوظيفة الشعرية المهيمنة، وذلك في نظام هرمي متنوع.

يواصل ياكبسون حديثه عن الوظيفة الشعرية، متسائلا عن العنصر الذي يعد ضروريا في كل أثر شعري. ويربط الإجابة بنمطين أساسيين للترتيب المستعملين في السلوك اللفظي، وهما: الاختيار والتأليف. فالاختيار ناتج على أساس قاعدة التماثل و المشابهة والمغايرة والترادف والطباق. بينما يعتمد التأليف و بناء المتوالية على المجاورة. وتُسقِط الوظيفة الشعرية مبدأ التماثل لمحور الاختيار على محور التأليف. وفي نفس الاطار يشير ياكبسون إلى أن اللغة الواصفة تستعمل، هي أيضا، متوالية من الوحدات المتماثلة. وذلك بتأليف تعابير مترادفة في جملة معادلتية. ففي اللغة الواصفة تستعمل المتوالية لبناء معادلة، بينما المعادلة هي التي تستخدم، في الشعر، لبناء المتوالية.

يقف ياكبسون عند وزن المتوالية، بما هو وسيلة لا نجد تطبيقا لها في اللغة خارج الوظيفة الشعرية. ليؤكد على أن النظم يتجاوز حدود الشعر ويستلزم الوظيفة الشعرية. ويجمل ياكبسون طرحه هذا في تلخيص يقول فيه: “إن تحليل النظم يعود كليا إلى كفاءة الشعرية، ويمكن تحديد الشعرية باعتبارها ذلك الفرع من اللسانيات الذي يعالج الوظيفة الشعرية في علاقاتها مع الوظائف الأخرى للغة. وتهتم الشعرية، بالمعنى الواسع للكلمة، بالوظيفة الشعرية لا  في الشعر فحسب حيث تهيمن هذه الوظيفة على الوظائف الأخرى للغة، وإنما تهتم بها أيضا خارج الشعر حيث تعطى الأولوية لهذه الوظيفة أوتلك على حساب الوظيفة الشعرية”[4].

شعر النحو و نحو الشعر:

“إن اللسانيات عند ياكبسون،هي العلمُ الذي يشمل كل الأنساق و البنيات اللفظية.ولكي تستوعب مختلف هذه البنيات،كان عليها،ألا تُختزل في الجملة،أو أن تكون مرادفة ل “النحو”،فهي لسانيات الخطاب، أو لسانيات فعل القول”[5].

من هذا القول، يتأسس اهتمامنا بمقاربة شعر النحو و نحو الشعر، عند ياكبسون.

ينطلق ياكبسون في معالجته لهذه القضية، ببيان أن اللغة تضع تمييزا واضحا بين المفاهيم المادية و المفاهيم العلاقية؛و بنوع من الدقة:بين المستوى المعجمي و المستوى النحوي للغة.

يشترط ياكبسون على اللساني أن يكون حريصا على إخضاع هذه المفاهيم للثنائية،التي هي واقعة بنيوية موضوعية.و أن ينقل،اللساني،نقلا كليا المفاهيم النحوية الحاضرة بالفعل في لغة معينة إلى لغته الواصفة التقنية،دون أن يحشر في اللغة أية مقولة اعتباطية أو دخيلة من الخارج.على أن تغيير على مستوى المفاهيم النحوية لا يترجم بالضرورة تغييرا على مستوى الواقع ( المزارع ذبحَ البطَّ/ البطُّ ذُبِحَ) إذ تمت الإشارة إلى نفس الواقع المرجعي الواحد،بغض النظر عن التعارض المتمثل في اعتماد أحدهما على البناء للمعلوم، واعتماد الأخرى على البناء للمجهول.

يعود ياكبسون ل” جيريمي بنثام” في كتابه: نظرية الاختلاقات (عن الاختلاقات اللسانية)، و التي تعتبر أساس البنية النحوية،ليتبنى الفكرة القائلة بارتباط وجود الكيانات المختلفة باللغة لا باللسانيين أنفسهم.

و المأزق الذي يضعنا ياكبسون أمامه هو مشكل العلاقات بين القيمة المرجعية و المعرفية،و الاختلاق اللساني.لنخلص إلى وضع السؤال التالي: إلى أي حد يمكن أن يواجه الفكر العلمي ضغط النماذج النحوية؟

و مسألة الاختلاقات مرتبطة ارتباطا وثيقا بالشاعر؛ إذ يعرض ياكبسون لرأي كل من فيليب سيدني و بنثام اللذين يؤكدان على أن الشاعر لا يؤكد شيئا،في نفس الوقت الذي لا تتوفر لديه،أبدا،فرصة للكذب،أو بصسغة بنثام المختصرة:” إن اختلاقات الشاعر مجردة من الكذب”.

إن تكرير نفس الصورة النحوية،و نفس الصورة الصوتية،هو المبدأ المكون للأثر الشعري؛إذ تأتلف صيغ شعرية بانتظام وحدات عروضية متجاورة حسب تواز نحوي معين.هذا التوازي الذي يمثل له ياكسبون بأغاني “نياس” الراقصة، و بالابتهالات الكنهوتية.

إن أنساق التوازي في الفن اللفظي تخبرنا بشكل مباشر عن الفكرة التي تتكون لدى المتكلم عن الثماثلات النحوية،مما يسهل على القارئ أن يدرك غريزيا المفعول الشعري و الشحنة الدلالية لهذه المعدات النحوية.

يضطر الشاعر إلى مراعاة الخاصيات الملزمة للأدوات النحوية و المفاهيم النحوية،فينحو نحو التناظر، و يعتمد على هذه النماذج البسيطة القابلة للتكرار، و الواضحة بما فيه الكفاية.و إما أن تتخذ الاتجاه المعكوس حينما يبحث عن الفوضى.

يتحدث ياكبسون عن القافية فيقول:”لقد كررت مرارا أن تقنية القافية هي إما نحوية، وإما نحوية مضادة،و لا يمكن أن تكون غير نحوية[6]“. فكيف تكون تقنية القافية نحوية،بحسب ياكبسون؟

تشغل الدراسة اللسانية للشعر حيزا مهما من كتابات ياكبسون،فهويجعل لهذه الدراسة أهمية مزدوجة. أولاها:أنه يجب على علم اللغة أن يدرس الدلائل اللفظية في كل تأليفاتها و كل وظائفها، و بالتالي يجب الاهتمام بالوظيفة الشعرية التي تساهم بالإضافة إلى باقي الوظائف الللفظية في كلام كل كائن إنساني منذ طفولته.و تطلع بفعالية في بنية الخطاب.

يقول ياكبسون:”إن اللسانيين الذي يغامرون اليوم في دراسة اللغة الشعرية، يجب عليهم أن يواجهوا اعتراضات نقاد الأدب الذين ينكرون عليهم حق دراسة مسائل الشعر[7]“.

تستقي الدراسة اللسانية أهميتها الثانية انطلاقا من أن كل بحث في مجال الشعرية يفترض معرفة أولية بالدراسة العلمية للغة،لأن الشعر فن لفظي،وبالتالي يتطلب استعمالا خاصا للغة.فالدراسة اللسانية لا يجب أن تحصر الحدود الضيقة للجملة،و التي لا يمكن أن تعتني ببناء القصائد.

و يتمسك اللساني،تبعا لذلك، بدراسة القضايا الدلالية على كل مستويات اللغة، وحينما يبحث عن وصف ما يشكل القصيدة،فإن الدلالة تبدو جزء ضروريا.ويقوم الشعر بتشغيل عناصر بنائية على كل مستويات اللغة ابتداء من شبكة الملامح المميزة إلى ترصيف النص في مجموعه.

التوازي:

ننطلق في الحديث عن هذا المفهوم، من الأسئلة الآتية.كيف يظهر التوازي في الآثار الشعرية؟ وهل هو خاص بهذه الآثار؟ ما منطلقه؟ وما تاريخه؟

يجمع أكثر الدارسين أن مفهوم التوازي جديد. اقترح كوسيلة للتحليل على يد الراهب لوث 1753. الذي حلل الآيات التوارثية في ظل ثلاثة أنماط من التوازي الترادفي. والتوازي الطباقي والتوازي التوليفي. وهو يعني عنده “تماثل قائم بين طرفين من نفس السلسلة اللغوية، أي حملتين لهما نفس البنية، تقومان على أساس المشابهة والتضاد”.

لكن هذا المفهوم سيتحدد أكثر مع التقاطع الذي حصل بين اللسانيات والشعرية،حيث نص ياكبسون قائلا:” إن التوازي عنصر يحتل المنزلة الأولى بالنسبة للفن اللفظي، ومن ثم فهو عنصر شعري في المقام الأول، حيث تشكل القافية الحالة الخاصة والمكثفة للمسألة الأساسية للشعر التي هي التوازي”.

بنية الشعر تتميز بتواز مستمر. تواز يمثل تأليفا ثنائيا يقوم على أساس التماثل الذي لا يعني التطابق. وفي هذا التحديد جعل للتوازي مفهوما رياضيا، يستورد من المجال الهندسي، إنها هجرة المفهوم.

إن مفهوم التوازي، يذكرنا بمفهوم المعادلة التي تحدث عنها اللغويون العرب القدماء، ووضعوا لها الحد الآتي:” إعادة اللفظ الواحد بمادتين مختلفتين في البناء مرتين فصاعدا”.

وكذلك مفهوم المناسبة أي:” تركيب القول من جزءين فصاعدا. كل جزء منها مضاف إلى الآخر، ومنسوب إليه بجهة ما من جهة الإضافة، ونحو ما من أنحاء النسبة”.

يتحرك هذان المفهومان مع التحديدات الأجنبية للتوازي في مجموعة من الخصائص:

  • التوازي علاقة تماثل أو تعادل بين طرفين أو أكثر.

وأكد ياكبسون أن التوازي بجميع أشكاله يشكل نسقا، وفي هذا يلتقي ياكبسون مع سوسير، حيث يظهر التوازي في ترتيب البنية التركيبية، وترتيب الأشكال والمقولات النحوية، وترتيب الترادفات المعجمية، وتأليفات الأصوات والهياكل التطريزية، وهذه التجليات يسمح التحليل اللساني بإدراكها حق الإدراك.

 إن هذا المنحى يؤكد أن ياكبسون يهتم بالتوازي كخاصية بنيوية تقول بأسبقية الصوت على الدلالة. يظهر هذا في الشعر. أما النثر فالوحدات الدلالية هي القائمة على تنظيم البنيات المتوازية. ومن ثم يجعل ياكبسون التوازي مفتوحا على الشعر والنشر الأدبي معا. إلا أن الثاني يجعل التوازي توازيا خفيا.

         عرف عمل ياكبسون، نقدا من طرف مجموعة من الدارسين، منهم:

*جورج مونان الذي يرى أن التحليلات الشكلية التي طبقت على إحدى قصائد بودلير تعطينا النتائج السعيدة نفسها إذا ما طبقت على أسوأ قصائد القرن 18.و تلخص إدانته في أن مبتكري هذه الشعرية الحديثة، ومنهم ياكبسون، ربما يهدفون إلى حملنا على نسيان وجود معنى شاعري.

*هنري ميشونيك:و الذي يشيد مبدئيا بنظرية ياكبسون، و لكنه يرى أنه على الرغم من القيمة الكبرى لنظريته،فإنها تظل جامدة،تنتمي بصلة القرابة لبنائية سوسير ويمسليف، وذلك عندما نظر إلى العمل الأدبي نموذجا تركيبيا.و إذا كان العمل الأدبي نظاما فهو في الوقت نفسه التناقضُ المنسق للغة و الكلام.

                                                                                                                       موقع وشم

 

[1] . رومان يلكبسون، قضايا الشعرية، ترجمة محمد الولي ومبارك حنوز، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، 1983، ص. 24.

[2] . نفسه.

[3] . نفسه، ص.27؛

[4] . نفسه، ص. 35؛

[5] .نفسه،ص 7؛

[6] .نفسه،ص 71؛

[7] .نفسه،ص 77.

تعليقات فيسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *