الرئيسية / دراسات / محمد بنيس: ضرورة الأدب في البحث في العلوم الإنسانية

محمد بنيس: ضرورة الأدب في البحث في العلوم الإنسانية

68631_450323291695835_1745055553_n

1.

يعود البحث في العلوم الإنسانية إلى فضاء أوسع هو الجامعة، حيث يلتقى بسواه من حقول البحث في العلوم الطبيعية والرياضية والقانونية والاقتصادية، وما تفرع أو استجد من فروع ومؤسسات البحث. من هذا الالتقاء بين حقول البحث المتعددة أصبح للبحث تاريخه كما للجامعة تاريخها. وقد كانا معاً موضوع تأملات فكرية وفلسفية عبر التاريخ، وخاصة في التاريخ الأروبي الحديث، منذ عصر النهضة. فالبحث، من هذا المنظور، متلازم والأسئلة الكبرى التي يطرحها المجتمع على ذاته، من خلال أدبائه وفنانيه ومفكريه وفلاسفته. وقد اعتنيت، منذ سنوات، بما كتبه نيتشه وهيدجر وديريدا، على الخصوص، عن البحث في العلوم الإنسانية  وعن الجامعة.

لست مفكراً ولا فيلسوفاً. لكني محب للفكر والحوار الفكري، مؤمن بالحدود المفتوحة للأدب على سواه، ومهتم بمعنى البحث في العلوم الإنسانية في زمننا وفي جامعتنا المغربية. ومحاضرتي، التي أقترحها عليكم اليوم، تعبر عن رغبة في حوار نتقاسمه في هذا الموضوع. حوار لا يصدر عن أحادية حقيقة، ذات اتجاه طولي، تجيء من المعلوم وتمضى إلى المعلوم، بقدر ما هو تبادل الرأي في وجهة نظر أضعها بين أيديكم. فما يشغلنا هو مستقبل البحث في العلوم الإنسانية في المغرب، في بداية الألفية الثالثة.

تتجنب وجهة نظري الاختيار الكبير الذي كان لمفكري وفلاسفة القرن التاسع عشر الأوربي، وخاصة في ألمانيا، التي كانت تعاني من التخلف التاريخي عن كل من إيطاليا وفرنسا وإنجلترا. أقصد الاختيار الذي كان يضع أمام عينيه تجاوز تخلف الأمة الألمانية والجواب على سؤال مصيرها. هذا الاختيار يبدو لي ضخماً ولست مؤهلاً للاقتراب منه، بحكم تكويني وممارستي. مع ذلك، تسلك وجهة نظري طريقاً وعراً، أي طريق الأدب. وعراً، لأن المتخيل الجماعي يترك الأدب في هامش الخطابات، ذات السيادة والامتياز. خطاب في الهامش يصبح بدوره هامشاً. هامش له، في الخطاب المعرفي المتداول، مرتبة المنسي واللامفكر فيه. هذا الهامش هو ما يجدد غوايته، يبتعد ويقترب، لمحة حيناً، ووشوشة في الصدر حيناً آخر. وأنا أحاول أن أتعلم أسرار هذا الهامش وأصوغ بعض أسئلتي فيه وعنه، من خلال ممارسة الكتابة والتأمل في الكتابة على السواء.

 من هنا قد يبدو العنوان، الذي أعطيه للمحاضرة، غامضاً أو مستفزاً. “ضرورة الأدب في البحث في العلوم الإنسانية”. عنوان يصرح بالأدب كضرورة، ينقل الهامش إلى المركز، كما لو كان به البحث يبدأ. يتكون العنوان من وحدتين هما “ضرورة الأدب” من ناحية؛ و”البحث في العلوم الإنسانية” من ناحية ثانية. والأداة “في” تخصيصٌ لعلاقة الضرورة بين الوحدتين. تخصيص يوفر شرط الاصطدام بين كتلتـين تنـتج عنه طاقة مشعة، هي مصدر ما يبدو غامضاً أو مستفزاً في العنوان. لكلمة “ضرورة” معان متعددة. لكنني أتوقف عند معنى مستقى من معجم لسان العرب، يخص الضرورة بمعنى الحاجَة. وفي معجم الليتريLittré  تعني الضرورة: “ما يُلزم ويُرغمُ في ظرف معطى.” للتعريفين معاً مكانهما في تقريبنا من معنى العنوان، وللثاني دقة توقد شرارة الحاجة إلى الأدب في البحث في العلوم الإنسانية، أي تلك الطاقة المشعة التي قد نسميها الغموض أو الاستفزاز.

2.

لن أتسرع في توضيح الوجوه الغامضة من العنوان. مع ذلك سأحاول تبديد ملمح الاستفزاز، فأبدأ بالسؤالين التاليين: ما الظرف الذي يجعلُ الأدبَ ضرورة في البحث في العلوم الإنسانية؟ ولماذا ينقل هذا الظرفُ الأدبَ إلى مستوى الحاجَة في هذا النوع من البحث؟

التوجه نحو معرفة الظرف مفيد في تبديد ملمح الاستفزاز. إنه ظرف العولمة، الذي أصبحنا نعيشه. فالعولمة تفرض هيمنة الاقتصاد والإعلام على سواهما. وتفرض، من خلال أسبقية الاقتصاد، الحصولَ على أكبر ربح مادي ممكن، بغض النظر عن الشروط الاجتماعية أو الأخلاقية التي يتم فيها تراكم الربح، لأن العولمة تتجسد في التنافسية على مستوى الربح ولا شيء غير الربح المادي. إن أكبر رهان سياسي للعولمة، كما يكتب جاك ديريدا، هو ما صاغه في سؤال: “إلى أي حد يمكن لنظام البحث أن يكون مراقباً و”مُدعَّماً”، بصفة مباشرة أو غير مباشرة لدرّ الأرباح على أصحاب التجارة والصناعة؟”

ومن رهانات العولمة، في مجال التعليم والبحث العلمي، اختيار التركيز على طلب السوق العالمية، أي التخصص الدقيق، المباشر، النافع في تلبية احتياجات المجموعات الصناعية والاقتصادية، مع عدم نسيان التكتلات السياسية. ليس هناك اعتبار للأساسي الذي هو الحياة البشرية، بما فيها المحيط الطبيعي، ولا للإنسان كفرد أو كمجموعة بشرية لها تاريخ وثقافة وقيم وحلم. والباحثون، الذين ترغب العولمة في تكوينهم، هم الذين يستجيبون لهذا النوع من الطلب، أي ترغب في الحصول على آلات بشرية. دليل ذلك أن الرأسمال يتخلى عن البشري كلما اكتشف آلة لتعويض البشري. بل هناك تطبيق لهذا التوجه في التعليم، من بينه مثلا إيجاد جامعات متخصصة في تلبية الطلب الصناعي والاقتصادي والتجاري والعسكري، أو التقليل من شأن البحث النظري مقابل تسريع وتيرة التقنيات. وهو التوجه ذاته في مستويات أولية في التعليم، مثل حذف تدريس الفلسفة في أكثر من منطقة في العالم، أو حذف تدريس اللغتين اليونانية واللاتينية في التعليم الثانوي الأروبي، أو حذف تدريس مادة التاريخ من السنة النهائية في التخصص التقني في التعليم الفرنسي. الأمثلة على هذا الاختيار كثيرة في التعليم والتكوين والبحث العلمي في أمريكا كما في أروبا. ويستتبع ذلك كل من اليابان وبلاد أخرى قادمة أو وصلت إلى اتباع التوجه ذاته، كما هو الحال في الصين والهند. هذا الظرف، إذن، يختزل البحث العلمي في طلب السوق، ويوسع البحث العلمي لصالح الاقتصاد والمردودية المادية. ومن ثم يكون تناول ضرورة الأدب في البحث في العلوم الإنسانية خروجاً على قانون العولمة، اعتراضاً عليه ومقاومة له. ذلك ما ينقل الأدب إلى مستوى الحاجة في هذا النوع من البحث، وما يمنح طاقة الاصطدام بين وحدتي العنوان قوة الضوء الكشاف في رحلة بحرية لا تنتهي ليلتها.

3.

هذا الظرف، إذن، يضاعف محاصرة البحث العلمي إيثاراً للمردودية المادية، الفورية والمضمونة. فالتعليم، بهذا المعنى، استثمار. ولا يختلف عن سواه من  أنواع الاستثمار. وهو ما يؤدي إلى فرض معنى محدد ومقنن للبحث في العلوم الإنسانية. وهذا المعنى هو الذي يستجيب لقانون الاقتصاد والإعلام، في ضوء السياسات الكبرى في عالم اليوم، كالربط بين البحث العلمي وتنويع مصادر الربح من ناحية، وبين البحث العلمي وتحقيق الاستهلاك (أو الهيمنة والتفوق العسكري) من ناحية ثانية.

إن البحث في العلوم الإنسانية هو أساساً بحث في النظرية، ولا يمكنه أن يأتي بأجوبة على أسئلة سابقة أو بأسئلة جديدة إن هو كان مشروطاً بالمردودية المادية، الفورية والمضمونة. أي أنه ينتمي إلى غير النافع، بمعنى أن له فضاءه الخاص وأسئلته الخاصة، فيما هو يفرض التفرغ لوقت طويل ولا يدر الربح. وهذا المعنى للبحث هو نفسه الذي يعطيه نيتشه للثقافة في المحاضرات الستة التي ألقاها في جامعة بال السويسرية سنة 1872 بعنوان “عن مستقبل معاهدنا التعليمية”. كتب نيتشه في المحاضرة الرابعة: “كل تربية تستدعي التطلع إلى منصب موظف أو ربح قوت العيش، ليست تربية للثقافة كما نفهمهما، لكنها إشارة للطريق الذي بواسطته ننقـذ ونحمي النفس في الصراع من أجل الوجود.” إنها تربية تنتهي بالحصول على وظيفة والاندماج في سوق العمل، ولا تؤدي إلى الثقافة. معنى هذا القول أن الثقافة (أو البحث في العلوم الإنسانية) أكبر من منصب وظيفة أو ربح قوت العيش. بين زمن نيتشه في القرن التاسع عشر، زمن الدولة البروسية في ألمانيا، وزمن العولمة الذي أصبحنا نعيشه يومياً في حياتنا، تضاعفت وتيرة المنفعة، بعدد هائل من المرات. ولذلك فإن ظرف العولمة، الذي يحد من حرية البحث في العلوم الإنسانية، هو نفسه الذي يدعونا إلى مراجعة الموقف المنتشر من الأدب ومن الحاجة إليه في البحث في العلوم الإنسانية.

لتوضيح كلمة “الضرورة” الموجهة للعنوان، أتقدم عبر طرح فئة أخرى من الأسئلة، من قبيل: ما الشيء الذي يتميز به الأدب عن باقي الخطابات الإنسانية حتى يصبح، في زمن العولمة، ضرورياً في البحث في العلوم الإنسانية؟ وما الذي نفتـقده، بالمقابل، عندما لا نولي الأدب الاعتبار في هذا النوع من البحث؟ أو أي نقص (أو خلل) يصيبه؟ أسئلة تساعدنا على الانتباه إلى ما يحكم كلمة “الضرورة” في سياق البحث في العلوم الإنسانية. وهي بالتالي أسئلة تؤدي بنا إلى مغادرة موقف اللامبالاة، والتشبث، بدلا من ذلك، بالحرص على الإنصات إلى ما يتعلق بكل من كلمة “الضرورة”، من ناحية، وسياق زمن العولمة، الذي نخصه بها في آن، من ناحية ثانية.

أقصد بالأدب هنا الخطاب الأدبي، في أجناسه وأشكاله المختلفة، الموروثة والحديثة، من الثقافة العربية أو الثقافات غير العربية. إنه الخطاب الذي اتسعت حدوده، عبر لغات وأزمنة وحضارات. من الأفضل أن نذكّر، هنا، بآثار الأدب في خطابات العلوم الإنسانية، منذ القرن التاسع عشر في أروبا، أي منذ زمن بلورة الأنساق الفكرية الكبرى للحداثة. سلسلة من أسماء المؤسسين تظهر أمامنا. هناك نيتشه بلغته الشذرية، وبكثافة لغته ذات العمق الأدبي، بما فيها قصائده الشعرية العديدة، لوضع كتابة فلسفية نقدية، فرويد الذي عاد إلى الأسطورة اليونانية لاستخلاص مفاهيم محورية في نظرية التحليل النفسي، هيدجر الذي استند إلى أعمال الشعراء الألمان الكبار، من هلدرلين إلى ريلكه إلى تراكل، في صياغة فكر الوجود، ليفي ستروس الذي اشتغل على الخطاب الأدبي في الثقافات الشفوية أو على الخطاب الشعري الحديث جنباً إلى جنب مع رومان ياكبسون، جاك ديريدا الذي قرأ ملارمي ضمن إستراتيجية الكتابة، وألنْ باديُـو الذي قام بنقد مفهوم علم الجمال من خلال قراءته لكل من شعر فرناندو بيسوا ومعلقة لبيد بن أبي ربيعة.

أمثلة محدودة. وهي تبرز لنا أن للأدب هنا مكان الملازم في الرؤية والمعرفة والسؤال والكتابة. باحثون من أعلى مستويات البحث في العلوم الإنسانية، في الفلسفة والأنثربولوجيا. ويمكن أن نضيف أسماء في حقول التاريخ وعلم الاجتماع. وهي تدل أيضاً على أن الخطاب نفسه في العلوم الإنسانية غيّـر وضعيته. فليس الأدب أداة خارجية في خطابات هذا النمط من البحث، بل هو عنصر داخلي، مكوّن للخطاب نفسه. سأشرح ذلك.

6.

أول ما يعنينا من الخطابات الأدبية هو السؤال عن الباعث على كتابة عمل أدبي. أجيب باختصار: إنه الطلب. وهو إما طلب داخلي، آت من أمر لا نعرف مصدره، تحضر فيه أصوات الموتى (و/ أو الأحياء)؛  وإما طلب خارجي، معين ومعروف، أكان شخصاً أو مؤسسة. وهما ما يشترك فيه كل من العمل الأدبي والبحث في العلوم الإنسانية. بل هو ما يشترك فيه العمل الأدبي (والعمل الفني) مع سواه من أنواع البحث في الميدان العلمي. تلك هي وضعية البحوث التي تقومون بها، بطلب من قانون الجامعة المغربية للحصول على شهادات عليا، ومنها الدكتوراة. لكن الأمر الخفي من هذا المشترك، الصادر عن الذات، هو ما أصبح مهدداً من طرف العولمة. ورغم أن التهديد يمس كلا من العملين، بسبب تحويل الأدب نفسه إلى سلعة، فلا يزال ما يخفى هو الذي يميز الطلب في الأدب. أي الأمر الداخلي المنبثق عن نداء ما في دخيلة الكاتب الأدبي. في الأمر الداخلي فسحة من حرية الإبداع، أي فضاء وجود المفاجئ، الذي هو علامة الانفتاح على ما لا يُسمّى. والعمل الأدبي هو الذي يلتزم فيه الكاتب بالمحافظة على حرية الإبداع، على المفاجئ، على المجهول. هذا ما يجب أن يظل حاضراً باستمرار في كل بحث في العلوم الإنسانية. لأن البحث لا يكون له معنى إلا في حالة الالتزام بمواجهة المجهول، الذي لا نعرف بالضبط ما هو الجانب النافع فيه. التزام هو، بعبارة جاك دريدا، “فعل إيمان”.

طلب بحث في العلوم الإنسانية يأتي، هنا، على غرار طلب عمل أدبي، أساسه الحرية في طريقة تلبية الطلب، والتزام بهذه الحرية. وهذا ما نجده في تاريخ الثقافات الكبرى في العالم، ومنها الثقافة العربية، حيث كان تأليف الكتب الموسوعية، ككتاب الأغاني، استجابة لطلب. وهو الأمر نفسه مع أعمال أدبية. والأمر ذاته ساد في العالم الغربي الحديث، حيث رسامون وأدباء وفلاسفة وباحثون كانوا ينتجون أعمالا يستجيبون بها لطلب جهة ترغب في الحصول على عمل من الأعمال. وهي جميعها طلبات كانت تعترف بحرية الكاتب، الرسام، الأديب، فيما هو كان يؤمن بعمله ويلتزم بالمحافظة على حرية العمل. ولذلك فإن البحث في العلوم الإنسانية ليس مجرد مهنة، ولا يمكن أن يكون مهنة من بين المهن.

7.

 لنتقدم أكثر. نتوفر، اليوم، على ذخيرة غنية من الدراسات الخاصة بالأدب، عبر العصور وفي ثقافات مختلفة. وهي دراسات انشغلت بتوضيح خصيصة العمل الأدبي. ثم أصبحنا في العصر الحديث نتوفر على دراسات نقدية وفكرية وفلسفية تبحث في جوانب من العمل الأدبي في زمن العلم. فلم يعد الأدب، كما كان في السابق، هو العلم العام، ولم يعد محصوراً في معرفة محددة كالتاريخ. ففي الأدب شيء ما يفوق العلم العام ويفوق المعارف أيضاً. سبب ذلك، كما يقول رولان بارط، هو “أن الأدب نفسه معرفة”. وما يعنينا أكثر، في كلام بارط، هو أن الأدب يقوم على تأمل خطابه، أي أنه نقد للغة، وهو من ثم ينتمي إلى العلم الحديث، “الذي يفترض في منهجه الأساسي النسبية اللانهائية لسماته.” لذلك فإن ما نفيده من الأدب هو خصيصة “تأمل ذاته في اللحظة التي يريد فيها تأمل العالم”.

هذا التأمل المزدوج هو ما يحتاجه البحث في العلوم الإنسانية. تأمل في خطاب العلوم الإنسانية كلما أقبل هذا الخطاب على تأمل العالم. “فنحن لا نقرأ بكلمات الآخرين”، كما يقول هنري ميشونيك، لأننا لا يمكن أن نتأمل موضوع البحث بلغة الآخرين، أي بتصوراتهم ومفاهيمهم. هي خصيصة التأمل التي يفتقدها البحث في العلوم الإنسانية عندما يتوقف عند الاستجابة لطلب من خارج الخطاب ومن خارج لغة الخطاب. أعني الاستجابة للطلب الذي، بطبيعته التقنية، يمنع التأمل. فالبحث في العلوم الإنسانية خطاب قبل كل شيء، ولا يمكن أن تكون له صفة البحث إن هو كان ينطلق من المعلوم ليصل إلى المعلوم، إن هو كان يفتقد أساسيات الخطاب الحديث، الذي هو خطاب السؤال، مثلما هو الخطاب العلمي خطاب النسبية اللانهائية. ويصعب الوصول إلى هذه الوضعية المعرفية إن كان الخطاب يأتي من خارج لغة الموروث الثقافي لكل شعب من الشعوب ولكل حضارة من الحضارات. في هذا الأفق نفهم طبيعة كتابة نيتشه أو هيدجر أو دريدا.

8.

لا يتسنى تأمل خطاب البحث العلمي في ذاته من خارج اللغة التي يكتب بها الخطاب. ومن أكبر ما نلاحظه في السنوات الأخيرة طغيان الخطاب الصحافي على خطاب البحث العلمي في المغرب. أعني أنه أصبح خطاباً محصوراً في معجم ضيق يكاد يتكرر من عمل إلى عمل، يفضل العبارة المتداولة، التي لا تحيل على مرجعية جمالية أو فكرية أو منهجية، يتهاون في احترام قواعد تركيب الجملة، يغفل عن استعمال علامات الترقيم، يقلل من العناية بتنوع أساليب التعبير، بل وبالطابع الشخصي للتعبير. إن مسألة اللغة، أي مستوى اللغة المستعملة في خطاب البحث العلمي، ليست مسألة ثانوية ولا مقحمة. هي من شرائط خطاب يتأمل العالم ويضع تأمل ذاته في أفق إعادة صياغة التصورات والأسس النظرية التي ينطلق منها. ثمة إهمال مخيف للغة في البحث. فالباحث نادراً ما أصبح يطرح سؤال اللغة التي يكتب بها عمله. وهذا ما ينشئ عائقاً حقيقياً أمام تطوير البحث في العلوم الإنسانية.

إن الخلط بين اللغة الصحفية واللغة العالمة يقلص من نتائج البحث. ولا يمكن أن نجعل الباحث الجديد في مغرب الألفية الثالثة متمكناً من لغة عالمة إلا بعودته إلى قراءة الأعمال الأدبية الكبرى. هذه الأعمال هي التي سيعثر فيها على بنيات اللغة العليا، إذ أنه سيتعرف على غنى المعجم، وسلامة القواعد، وتنوع التركيب، وذاتية التعبير. فالأعمال الأدبية الكبرى حافظت على حيوية اللغة وأهلتها لتكون لغة الحس المتفرد والمعرفة الواسعة. وكثرة مدارستها هي ما سيرفع من مستوى اللغة في البحث، مثلما سيسمح بالوعي بوضعية اللغة في خطاب البحث في العلوم الإنسانية، من حيث اختيار الكلمة المناسبة أو التركيب المناسب أو العبارة المناسبة أو الترقيم المناسب، أو الاستشهاد المناسب، للمكان المناسب، حسب ما يقتضيه خطاب البحث العلمي من دقة وأمانة وأناقة.

هناك ضلع آخر للعمل الأدبي. هو البناء. لبناء العمل الأدبي، حسب الأجناس، أو في أشكال أدبية على حدود الأجناس، ما يحرض على إعادة النظر في طريقة بناء الموضوع في العلوم الإنسانية. فالبناء ليس مقصورا على الموضوع العلمي. وإعادة النظر فيه تدعو لتأمل معنى البناء في العمل الأدبي.

هناك تفكير عريض في مسألة بناء العمل الأدبي، وكان للعرب القدماء عناية واسعة به. مع ذلك سأقتصر على يوري تينيانوف،  وهو من الشكلانيـين الروس، وأكبر المنظرين الحديثين لتصور البناء في العمل الأدبي. كتب تينيانوف:” ليست وحدة العمل [الأدبي] كياناً متماثلاً ومغلقاً، بل هي كلية حيوية لها حركتها الخاصة.” ويضيف: “فشكل العمل الأدبي يجب أن يُفهمَ كشكل حيوي.” هذه الإشارة من جانب تينيانوف إلى حيوية الشكل الأدبي تعني أن بناء العمل الأدبي يعتمد عدم التساوي بين عناصره المختلفة. أي أن البناء ليس ثابتاً، بل هو حركي، وسبب حركيته توظيفه لعناصر غير متساوية، أو أن تلك العناصر تصبح غير متساوية عند التركيب.

لقد وقفتْ دراساتٌ عديدة على فاعلية بناء العمل الأدبي في توليد المعنى، ما دام البناء ليس محايداً في توليد المعنى. ولهذا فإن البحث في تعدد المعنى في خطاب العلوم الإنسانية يفترض بدوره تأمل بناء موضوع البحث، بما هو بناء حركي. ولأجل ذلك، سيعثر الباحث في العلوم الإنسانية على إمكانيات جديدة وغنية في اعتماد بناء العمل الأدبي. لا أقول بشيء غريب عن تاريخ البحث في العلوم الإنسانية. وأكتفي بإعطاء نماذج محدودة، هي كتاب الفتوحات المكية لابن عربي، الذي  عثر في القديم على بناء خاص لكتاب في المعرفة الصوفية، وكتاب هكذا تكلم زرادشت لنيتشه، ثم كتاب الكتابة والاختلاف لجاك دريدا، اللذان أدمجا، في العصر الحديث، الخطاب الأدبي في الخطاب الفلسفي.

نعم، أصبح من الطبيعي ملاحظة أن ثمة هجرة متصاعدة لأشكال وتقنيات وعناصر بين الأعمال الأدبية والأعمال الفنية. بل إن هناك اتجاهات جديدة في البحث التاريخي والأنثربولوجي، مثلا، أصبحت تتجه بوضوح نحو تبني أشكال بناء العمل الأدبي. وهو توجه يدل على أن مدارس تنشأ في مجال البحث في العلوم الإنسانية لا تتوقف عن الانتماء إلى زمنها المعرفي بتغيير وضعية خطاباتها، حيث أنها تتأمل ذاتها فيما هي تتأمل العالم. فبناء أعمال تنتسب إلى العلوم الإنسانية بمنطق بناء العمل الأدبي هو ما يمكن أن ينعش ذاكرة (وحلم) الباحث. وإذا كانت الدراسات، بل والكتابات، في السابق، تعتمد المعرفة المتقدمة في زمنها، من كيمياء ورياضيات وفيزياء ولسانيات وتاريخ، فإن ما يمكن أن يطور البحث في العلوم الإنسانية هو أيضا الانتباه إلى غنى بناء العمل الأدبي ودوره الفاعل في تغيير خطاب البحث في العلوم الإنسانية وبالتالي المغامرة بصيغ جديدة للبحث عن المعنى وعن الحقيقة، في المتعدد والمختلف واللانهائي.

ولكن البحث في العلوم الإنسانية هو، قبل كل شيء، بحث في سبل بناء الذات والانتماء إلى الزمن المعرفي، أي بحث في التحرر والإبداع، لا بمنطق حتمية ما، على غرار حتمية التقدم المضطرد، كفكرة سادت في عصر الأنوار، بل بمنطق لا تغيب فيه الوقائع عن إبدالاتها. وللتاريخ الإنساني أكثر من تمثيل على هذا البحث، لدى الأمم القديمة والحديثة، مع اختلاف في النماذج الحضارية. فلا يستطيع البحث في الاجتماع أو التاريخ أو الأنثربولوجيا أو الفلسفة أو علم النفس أن يبلغ الهدف الأبعد إن هو اختزل الغاية في الاستجابة لطلب لا يولي الاعتبار للأساسي في البحث، أي لا يضع ذاته في أفق بناء الذات والانتماء إلى الزمن المعرفي.

10.

على أن تأمل الخطاب الأدبي في ذاته هو، في الوقت نفسه، تأمل في المعنى. وطبيعة المعنى في الخطاب الأدبي هي أنه يتميز بالمتعدد والمختلف واللانهائي. فالتكثيف الذي تعتمده لغة الأدب، عن طريق ما يعرف باسم الاستعارة مثلا، هو من بين ما ينقلها من مستوى التواصل إلى مستوى التأمل، الذي يتطلب من القارئ، المستقبل، المتلقي، المشاركة في إعادة إنتاج المعنى. ولا يبتعد البحث في العلوم الإنسانية عن البحث في المعنى. فما يشغل الباحث في العلوم الإنسانية هو البحث عن الحقيقة، لكن البحث عن الحقيقة هو البحث في المعنى. إن الخطاب ليس ذا معنى واحد. ومهمة البحث في العلوم الإنسانية هي تأويل الخطاب، أي الابتعاد عن المعنى الحرفي، الأولي، المباشر، وإعطاء الاعتبار للبعد الاستعاري، وما بعد الاستعاري، الذي يلازمه. لا يتم تأويل الخطاب، تفكيكه حسب تصور ديريدا، إلا من خلال لغة مكثفة، لغة لا تلغى استعمال الاستعارة بحجة الدقة العلمية ووضوح الخطاب العلمي ومفاهيمه وتصوراته. فبقدر ما ينصت البحث في العلوم الإنسانية إلى العمل الأدبي بقدر ما يقترب أكثر من طبيعة الخطاب الذي يشتغل عليه ومن تعدد المعنى في هذا الخطاب، وبالتالي من تعدد الحقيقة. إن العمل الأدبي هو الطرف الأقصى من تأمل الخطاب في ذاته، وهو أيضاً الطرف الأقصى من تكثيف المعنى ومن توليد المعنى. وعندما ينصت البحث في العلوم الإنسانية إلى العمل الأدبي يكون وجهاً لوجه مع سؤال المعنى ومع سؤال الحقيقة. فتلك الكثافة، التي يتميز بها العمل الأدبي، هي التي يمكن أن تجنب البحث في العلوم الإنسانية الانسياق وراء الطلب المحدود في التقنية، وراء الطلب الذي لا تعنيه مسألة تعدد المعنى ولا تعدد الحقيقة، أي لا تعنيه مسألة البحث في المجهول، الذي هو وحده مبرر البحث العلمي.

يتعرض البحث العلمي في زمن العولمة إلى إجبارية أحادية مجالات البحث، التي يطلبها المنتج الاقتصادي أو المروج التجاري أو المستفيد السياسي. وتؤدي أحادية مجالات البحث إلى فرض الاكتفاء بأحادية المعنى، في البحث الاجتماعي، أو الأنثروبولوجي، أو التاريخي، أو النفسي، أو الفكري. وفي هذه الحالة يتبرأ المصطلح من بعده الاستعاري. وهو هنا يتجه بالمعنى نحو أصولية لا تخفي أهدافها المباشرة في الهيمنة والامتياز. لذلك فإن تعدد المعنى نقد للأصولية، مهما كانت، وهو التعبير عن السعي إلى الأفق الأرحب للإنساني. إذ لا بد أن نعرف أن البحث في العلوم الإنسانية هو بحث في حرية الإنسان وليس في استعباده، مهما كانت صيغة وطبيعة الاستعباد.

11.

أيها الإخوة،

ما حاولت عرضه عليكم، من ضرورة الأدب في البحث في العلوم الإنسانية، أصبح له تاريخه في جامعة محمد الخامس- أكدال وفي كلية الآداب بالرباط تحديداً. ثمة  نخبة رفيعة من الباحثين المغاربة حققوا هذه العلاقة، في زمن لم تكن تكتسب صفة الضرورة كما هي اليوم، في ظرف العولمة. أذكر هنا أسماء أعلام بارزين في ثقافتنا المغربية. محمد عزيز الحبابي، عبد الله العروي، عبد الكبير الخطيبي، عبد الله حمودي، محمد مفتاح، عبد الفتاح كيليطو، عبد السلام بنعبد العالي، وعبد الأحد السبتي. كل واحد من هؤلاء ربط خطابه في مجاله الخاص بالخطاب الأدبي. والمتأمل في أعمالهم يدرك جيداً كيف أنهم، باختلاف منظورهم للعمل الأدبي وطريقة قراءتهم له، عملوا على إنتاج خطاب معرفي جديد في مغرب البحث العلمي.

أيها الإخوة،

تجرأت على طرح موضوع يبدو غامضاً بقدر ما يبدو مستفزاً. وما حاولت عرضه عليكم كلمة أولى للحوار، الذي يريد توسيع رؤيتنا للبحث في العلوم الإنسانية، والتخلص من خطاب تقني، اختزالي، لا معرفي ولا تاريخي عن الأدب أو عن البحث في العلوم الإنسانية. ولا شك أن ما يهم هو الانتقال من مرحلة الانقياد وراء توجهات عامة في البحث إلى اعتبار تأمل الخطاب في ذاته من أبجدية بناء الذات والانتماء إلى زمن البحث.

وشكرا لكم.

تعليقات فيسبوك

شاهد أيضاً

رضوان ضاوي يدرس مسرح الطفل

نشرت مجلة العربية ضمن سلسلىة “كتاب المجلة العربية” (رقم 259، العدد 498، بتاريخ رجب 1439هـ/2018م ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *