الرئيسية / مَسكَنٌ حُرٌّ / الشِّعرُ والخطابُ الإعلامي… مُجَرّدُ رَأيٍ

الشِّعرُ والخطابُ الإعلامي… مُجَرّدُ رَأيٍ

          20160726_100645يُعانِي الشِّعرُ المغربيُّ الحديث، وبخاصَّةٍ المُعاصِر، من أحكامِ بعض “النُّقادِ” الذين أغْرقوهُ في الانطِباعاتِ والذَّاتياتِ. وقد كرَّسَ هؤلاءِ صورةً نمطية عنِ الشِّعر المغربيِّ، انطلاقاً من تسميتهِ، وانتقالاً إلى طرائقِ الاشتغالِ عليه، ثمَّ الأسماء التي أصبحتْ عينةً لمتنِ قراءاتِهِم.  وأمامَ هذا الوضْعِ، تبرزُ الأسئلة الآتية: هل كلُّ منْ يكتُبُ حرفاً هُوَ شاعرٌ؟ وهل كلُّ الأسماءِ المتداوَلة آنِياً، على الحائِطِ الأزرق أو في المُدوّناتِ والجرائِدِ، لهَا صلاحية المَتْن الشِّعري؟ ثم كيفَ لنا أن نقرأَ هذا المكتوبَ في أفقِ التحولاتِ المستمرّةِ التي تعرفُها الكتابة؟

         خاضَ جيلُ الستينيات في المغربِ، على رأسهم، أحمد المجاطي، ومحمد السرغيني، ومحمد الخمار الكنوني، مغامرةً شعرية مُؤَسَّسَةً حينَما تبنّوا الشعرَ المعاصِرَ كتجربةٍ مغايرةٍ لِمَا كانَ سائِداً. وهي تجربةٌ لم تتضِحْ معالمُها إلا معَ شعراءِ السبعينيات، وفي مقدمتهم محمد بنيس، وعبد الله راجع، وأحمد بلبداوي، الذينَ أبدَلوا طرائقَ الكتابةِ الشعرية، مثْلَما أبدعُوا في خلقِ نصٍّ شعريٍّ جديدٍ، راهَنُوا فيهِ على اللغة والبَصري واختبارِ فضاءِ الصفحة، ثمّ واصَلَت هذهِ التجرِبة الشعرية حركِيتَها، في المرحَلَةِ اللاحقةِ، منفتحةً على أشكالٍ كِتابيةٍ جديدة، كان أبرزُها تقاطُعها بقصيدة النثر. إلا أنّ السنواتِ العشْرَ الأولى من الألفية الثالثة عرفتْ إسهاباً، إنْ لم نقلْ فوضى، في الإنتاج “الشعري”. فقد أصبحَ الجميعُ شاعراً بلا نسبٍ ولا سُلالةٍ شعريةٍ. ولم يعُدْ هناك وعيٌ نظريٌّ يؤطِّرُ الممارَسَة النصيّة، حتى إن بعض “القصائد” باتَتْ تفتَقِدُ لمُقوّماتِ الكتابَة الشِّعرية منْ إيقاعٍ وترْكيبٍ ومُتخَيّلٍ.

          لقد سادَ الخطابُ الإعلاميُّ حقْلَ الدراساتِ النقدية المشتغلة على الشِّعر، وأصْبحنَا على موعدٍ يومي لـ “ناقد” أو ذاك، يكتُب في كل حينٍ “شيئاً” ويسمّيه قراءةً أو دراسةً نقديةً.  وقدْ أتاحَت الطّفرةُ الكمية التي عرَفهَا مجالُ النّشرِ، في الألفية الثالثة، وعبرَ وسائِطهِ المُتَعدِّدة، الفرصةَ للقرّاءِ بأنْ يشُكلوا ما يُمْكنُ أنْ نَصطلِحَ عليه “النقد الصحافي”. وغَدَت الملاحقُ الثقافيةُ للجرائد المغربية والعربية، الورقية منْها والإلكترونية، مَسرحاً لهذا النوعِ من النقدِ الذي سيّجَ القصيدة بخُيوطٍ واهيةٍ مُضلِّلة، حجبتْ أفق تلقّيها المفتوحِ.

          وبإلقاء نظرةٍ على الدراساتِ المُنْجَزَةِ عن هذا الشِّعر في السّنواتِ العشْر الأخيرةِ، باستثناءِ ما يُنْجَزُ تحتَ اسمِ الجامعة[1]، لا يَغدُو الباقي أن يكونَ مجرَّدَ قراءاتٍ سطحيةً؛ لا تنطَلِقُ من تصَوُّرٍ نظريٍّ واضحٍ. على أنّ ما يُقدّمُ لنَا منْ قراءاتٍ ودراساتٍ عن الشعر، في الجرائدِ أو المواقع الإلكترونية، ليس سوى قراءات “انتقائية”، وفي مستوياتٍ متعددة، فقد انتقَت ممّا يُكتَب بعضَه، ووصفتْ شعراً بالجيد، وآخرَ بالرديء، كما انتقَت من الشّعراءِ بعض الأسماءِ، واختزلتْ هذه الأسماءَ في عدد محدودٍ، ولم تتقيّدْ بضوابطَ ومعاييرَ تقنّنُ لائحةَ الأسماءِ المدروسة. وأصبحَ الشعراءُ في “سلة واحدة” لا فرقَ بينَ تجربةِ هذا الشاعرِ، أو الجيلِ الذي يَنْتَمِي إليه الآخر.

          غابَ المنهجُ النّقدي عنْ حقلِ الدراساتِ الشِّعرية في المغربِ مع نهاية الثمانينيات[2]؛ بما هُوَ إطارٌ علميٌّ يساعِد على مُقاربةِ النّص الأدبيِّ وكشْفِ عناصرهِ البنائية وفهْمِ أبعادِهِ الدلالية. فالمنهجُ، بهذا المَعْنى، ليسَ أداةً منهجيّةً فقط، وإنّمَا هوَ اختزالٌ لرؤيةٍ خاصّةٍ للعالَمِ، بَنَتْها خلفياتٌ سوسيوثقافية ونفسية وأيديولوجية، تجَلّتْ في النّصِّ الأدبيّ، انطلاقاً من دلالِيَتِه، وعناصِره البانِية. وبالمقابل، تعرف الساحة النقديةُ، الآن، هيمنةً للقراءات الانطباعية والذاتية، غيرِ المُستنِدَةِ إلى خلفِيةٍ نظريةٍ منْهجيةٍ تنْطلقُ منَ القَصيدةِ في اتِّجاهِها.

          لسنا ضِدَّ الحُرية في الكتابةِ والنّقدِ، فهي مِنْ مُقَوِّماتِ الإبداعِ البَاني، ولكنَّنا معَ قراءةٍ عاشِقَةٍ للنص الشعري، تنشَغِلُ بحفرياتهِ، ووَضْعِه في زمنِه المَعرفيّ، تَنتَهي لتبدأَ مِن جديدٍ، تُسائِلُ المُمارسة النصية للشاعِر في عَمُودِيتها، وتَخْتَبِرُ درجاتِ النسيانِ والمكبوتِ واللا مُفكر فيه، تتأمَلُ الغيابَ كما تسألُ عن الحضورِ، تُقاربُ تفاعُلَ اللغةِ والإيقاع والصورة، وتُبْدِلُ الإمكاناتِ القرائيةَ للنص الشعري، بما يسمحُ بتجَدّدِه ولا نهائيته. تلكَ هي القراءةُ التي تستشْرِفُ النصَّ، وتنفتحُ على حقولِ المعرفةٍ، فيما هي تنبثقُ عنْ تصوُّرٍ نظريٍّ يمنحُ للنَّصِ حياةً جديدةً.

سفيان الماجدي

[1] . يمكن أن نعود هنا، للتمثيل لا الحصر، إلى دراسة الكتابة وإعادة الكتابة في الشعر المغربي المعاصر للباحث خالد بلقاسم الصادرة سنة 2007، ودراسة شعرية محمد بنيس: الذاتية والكتابة للباحث عز الدين الشنتوف الصادرة سنة 2014، ثم الدراسات المنجزة من طرف طلبة ماستر تاريخ بنيات الشعر المغربي الحديث بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط.

[2]. يمكن أن نمثِّل بدراسة الشعر العربي الحديث بين النكبة والنكسة لأحمد المجاطي (1971)، ثم دراستي محمد بنيس ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب، مقاربة بنيوية تكوينية (1978)، والشعر العربي الحديث: بنياته وإبدالاتها (1988)، ثم دراسة عبد الله راجع القصيدة المغربية المعاصرة: بنية الشهادة والاستشهاد (1987-1988)، وأيضاً دراسة محمد بنطلحة قراءات نقدية للشعر المغربي المعاصر: تحليل وتقويم (1987).

تعليقات فيسبوك

شاهد أيضاً

في ذكرى رحيله: محمود درويش مُتــأمِّــلاً للشِّعر

بِحُلولِ التاسِع من غشت 2017، تحلُّ الذكرى التاسعة لرَحيلِ محمود درويش. وفي الذكرى نستحْضِرُ شاعراً ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *