الرئيسية / كتب حديثة / قراءة في كتاب مليكة العاصمي: “صورة المرأة في الموروث الشعبي المغربي”

قراءة في كتاب مليكة العاصمي: “صورة المرأة في الموروث الشعبي المغربي”

النسق الثقافي المضمر في خطابي المثل الشعبي والحكاية الشعبية

قراءة في كتاب مليكة العاصمي صورة المرأة في الموروث الشعبي المغربي

أنجز القراءة نبيل لهوير[1]

     nabil et malila modifiéلا تتوخى هذه الورقة تقديم قراءة في كتاب الأستاذة مليكة العاصمي، بقدر ما تنهجس بتفكير المفهومات المتضمنة في عتبة الكتاب، وفي متنه، والتساؤل حولها وحول المنهجية التي تمت بها مقاربة موضوعة صورة المرأة، في أفق فتح مسارات جديدة للتناول.

     يبدو السؤال الكبير الموجه لمسار الكتاب هو: كيف عبر الموروث الشعبي المغربي عن الواقع من خلال صورة المرأة؟ وما الدلالات الثقافية والفكرية التي تحملها تلك الصورة في علاقة مع النسق الثقافي بشكل عام؟

     وقد سعى الكتاب من خلال هذا السؤال إلى رسم ملامح صورة المرأة في المثل والحكاية الشعبيين، بالكشف عن أبعادها المختلفة الحاملة لنظرة المجتمع.

     يستوقفنا في البداية مفهوم “الصورة” المستهلُ به العنوان، فكثير من الأبحاث والدراسات النقدية اشتغلت بالصورة سندا منهجيا، خاصة في الخطاب الشعري، ثم في سياق السرد بشكل متأخر نسبيا. لكن السؤال المركزي هو: بأي مفهوم للصورة يتسلح الباحث في الدراسات التي تجعل الصورة موضوعا لها؟ حيث إن تشكيلات الصور تفترض حدودا تقريبية قد تتوسل بمكونات الموضوع والشخصيات والفضاءات والأزمنة والمشاهد والمواقف، وقد تقترن بالجمل والمقطوعات والوحدات الحكائية.( شرف الدين ماجدولين، الصورة السردية..الرواية..القصة..السينما: قراءة في التجليات النصية، رؤية للنشر والتوزيع، د.ط.، 2006. ص.14.).

      إن أي بحث في الصورة يجد نفسه أمام أسئلة من قبيل: ما أسس ومقومات هذه الصورة؟ ما ملامحها وتجلياتها؟ وما علاقتها بالمتخيل والمرجعي- الواقعي؟

     يستلزم تحديد مفهوم “الصورة” ضمن مجال الأدب بشكل عام، التوقف عند ثلاثة مفاهيم  تشكل مداخل رئيسة لتحديده، وهي الخيال   (l’imagination)  ومفهوم التخييل(la fiction) ثم مفهوم التمثل ( la représentation).

     للتخصيص أكثر نتساءل: بأي مفهوم، وبأي معنى شغل بحث” صورة المرأة في الموروث الشعبي المغربي” الصورة؟ وفيم تتحدد وتتشكل هذه الصورة؟ أفي الموروث نفسه، أم في تمثنا عنه، وتأويلنا له؟ وفي أي سياق تاريخي وثقافي واجتماعي؟ وفي أي مرحلة عمرية(أغلب البحوث تركز على المرأة المتزوجة أو المطلقة… في تجاوز للمرأة الطفلة، مثلا؟ ولم الانهجاس بصورة المرأة بهذه الحدة وليس الرجل؟ إذ  يبدو الرجل أحيانا خارج نطاق التساؤل ، على اعتبار أن هويته محددة سلفا عبر مسيرة التاريخ الذكورية، فكان ينظر إليه بأنه كائن كامل.

     وإذا انتقلنا لمفهوم “الموروث” يزداد الإشكال تضخما، إذ بأي صيغة يتحدد هذا الموروث، بوصفه ميتا جامدا ثابتا قد ينظر إليه بكونه موضوعا متحفيا، أم بعده متجددا متحولا؟ خاصة أننا أمام موروث موسوم بالشفاهية والشفوية في آن. ووصف هذا الموروث ب”الشعبي” يفتح أمام البحث الذي نحن بصدد تفكيره، وأمام كل بحث أو دراسة تستند على هذا الوصف صعوبة تسييج المقصود ب” الشعبي”. نستشهد هنا بقولة لبول زومتور: ” يحمل النعت” شعبي”  نفس الالتباس نفسه حين يصف مصطلحات “كالثقافة” و”الأدب” أو بالأخص “شعر” و”أغنية”. حيث إن هذه الكلمة تحيل لمعيار انتماء تقريبي فهي لاتصوغ مفهوما ما: إنها تشير لوجهة نظر أكثر منها لصفة، وهي وجهة نظر غارقة في ضباب العالم الذي نعيش فيه. أأحيل باستخدامي هذه الكلمة، لصيغة معينة لنقل الخطاب الثقافي؟ أم لاستمرارية ما لسمات عتيقة، تعكس-بشكل أو بآخر- شخصية إثنية معينة؟ أم إلى طائفة حافظي هذا التراث؟ أم إلى أشكال مفترض خصوصيتها من التفكير والكلام والسلوك؟( بول زومتور، مدخل إلى الشعر الشفاهي، ترجمة وليد الخشاب، دار شرقيات، القاهرة، ص. 20).

       NNabilأخيرا، تضعنا صفة “المغربي” في مواجهة سؤال في طبيعة “الموروث المغربي” نفسه: هل هو كل متجانس؟ أ تعد الصورة التي يقدمها المثل المغربي الحساني هي نفسها التي يرسمها المثل في منطقة الريف للمرأة، مثلا؟

      نصل لخلاصة مفادها أن العنوان مفرط في الإشكالية، انطلاقا من المفهومات المكونة له.

    يظهر الوعي طافحا بهذا الإشكال ضمن ثنايا كتاب الأستاذة العاصمي، خاصة في المدخل الذي حاول تسييج مفهوم “الموروث الشعبي” بتحديد صيغه، ودلالة الصورة بكشف مرجعياتها.

   إن الإقرار بشساعة “الموروث الشعبي” وتشعب دلالاته وتوالدها، دفع بالبحث إلى حصر الاشتغال في شكلين من هذا الموروث، هما المثل، والحكاية الشعبية، بوصفهما حسب الباحثة “نسقين ثقافيين كبيرين، مختلفي المصدر والمنشإ يلخصان للصورة التي يقدمها الموروث الشعبي عن المرأة، ويكونان الأساس المرجعي للسلوك الجمعي، ويمثلان الذاكرة المرجعية للمتخيل الشعبي، وللصورة التي يركبها المجتمع ويكونها وينطلق منها، ويختزلان الموقف الفكري والاجتماعي الشعبي، ويعكسانه بشكل عميق وواضح ويعبران عنه”. ص. 9.

إن الهدف طبعا هو رصد صورة المرأة  من خلال المثل الذي يتداوله الرجال والنساء ويحمل نسقا ذكوريا، وصورة المرأة عن نفسها  من خلال(الحكاية الشعبية) التي تعتبرها الباحثة إبداعا نسائيا.

نتساءل هنا: هل يشكل الراوي أس تحديد الرؤى والمتخيل والتصورات؟ أم هناك محددات أخرى تتداخل في رسم الصورة وتشكيلها؟

بصيغة أخرى: هل ملامح الصورة التي رصدتها الباحثة تتشكل بالمتخيل وتركيبه أم أنها إمكانات انوجادها  تتحدد في المتخيل ذاته، أو في سياقه، أو في ذهن متلقيه؟

     ترى الباحثة أن ” النص الشعبي” عموما والمثل الشعبي خصوصا، يقدم صورة المرأة في مرايا منعكسة أقلها ثلاث صور متناقضة، تعكسها ثلاثة مواقف وثلاثة خطابات:

  1. صورة سلبية تمثل خطابا عدوانيا: قدمت الباحثة نماذج من نصوص لعبد الرحمن المجذوب، ونصوص أخرى تصورها رمزا للمكر والخديعة والخيانة…وكيدها أقوى من كيد الشيطان، وهي سبب البلايا، وطاعتها ندامة، ومحبتها عذاب.

ماذا لو قرأنا هذه الصورة قراءة نفسية(خاصة نصوص عبد الرحمن المجذوب).

  1. صورة إيجابية: اقتصر البحث على نصوص مجهولة المصدر. ألا توجد نصوص للمجذوب تمجد المرأة؟ هذا إذا لم نعتبر النصوص السابقة في نسقها المضمر تقديس وتمجيد للمرأة التي ينظر إليها أحيانا انها مالكة لقوى خارقة في الكيد والمكر …
  2. صورة تقدم خطابا متوازنا يترواح بين الإيجابية والسلبية.

نتساءل تساؤلا آخر: ما الخطاب الذي انتجه المثل عن الرجل؟

وما الخطاب الذي أنتجه المجذوب عن الرجل؟ كي تبدو الصورة أكثر اكتمالا ووضوحا.

    أما بخصوص الشكل الثاني. تنتقي الباحثة نصا للحكاية الشعبية تجعله مركز اشتغالها على كشف صورة المرأة في الذاكرة الجماعية المغربية والمتخيل الشعبي. هو نص” كلشي من العيالات”.

 تصل الباحثة من خلال دراستها لهذا النص إلى رصد صورة المرأة في المتخيل الشعبي النسائي بقولها” المرأة إذن كل شيء هي الخير، وهي الشر”. ص. 104.

خلاصات:

  1. تبدو مخرجات الصورة عامة هنا، مركزا على صورة الفعل/السلوك. بمعنى هل كان بإمكان البحث أن يخصص الصورة أكثر… إذا لا نعثر مثلا عن صورة الجسد الأنثوي في مجموعة من الدراسات التي اشتغلت على صورة المرأة في الموروث الشعبي.
  2. رغم أن الصورة الأولى للمرأة تظهرها داخل نسق الحكاية امرأة تعمل جنبا إلى جنب مع الرجل، إلا انها تخفي نسقا ذكوريا مائزا، فرغم ذلك بقيت تابعة للرجل، تعمل من خلف ستار لأجل أن يصل الرجل إلى المراتب المهمة. هل كان بإمكان الحكاية أن تقول أكثر من هذا؟ بصيغة أخرى هل كان للحكاية أن تفكر في جعل امرأة السلطان سلطانة، وهي سر العقل والمشورة والسلطان أو الحطاب تابعا؟
  3. ألا تمثل نسبة المثل للرجل في الدراسة بوصفه كلاما شذريا حاملا للحكمة والقاعدة الأخلاقية العامة، ونصا مرجعيا ينظم الحياة، وهو من أكثر النصوص الشفاهية محافظة على الثبات، وربط الحكاية بالنساء وهي رمز الغواية وأكثر النصوص ميلا للتحول والانتفتاح على الإبدالات، وهي التي “تمشي مع الواد” فور الانتهاء من سردها. ألا يحمل هذا في حد ذاته نسقا ذكوريا.
  4. مجموعة من النصوص التي قدمت دليلا على الصورة الإيجابية للمرأة ، تعكس في نسقها المضمر نسقا ذكوريا ينظر إليها نظرة دونية:
  • لعيالات غير وليات.
  • احسن ما عملت بكرت ببنت.
  • اللي يسعدها زمانها، تولد بناتها قبل ولادها.
  • شافوني ولية وتجمعو علي.
  • خير سيدي باين على وجه لالة.

[1] . باحث في الأدب الشفاهي.

تعليقات فيسبوك

شاهد أيضاً

رضوان ضاوي: “التراث الشعبي الليبي بعيون ليبية”

خصص الباحث محمد سعيد محمد كتابه “ذاكرة قرية” (1998)، الصادر عن المركز الوطني للمأثورات الشعبية ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *