الرئيسية / حفريات / مقدمة ديوان أحلام الفجر للشاعر عبد القادر حسن

مقدمة ديوان أحلام الفجر للشاعر عبد القادر حسن

2248201211619PM1

مقدمة ديوان أحلام الفجر

عبد الله بن  إبراهيم

لعل أظهرَ وصْمَةٍ في نهضَتِنا، هيَ انصِرافُنا عَنِ الإذاعَةِ وَرهْبَتُنا مِنَ النَّشْرِ، ولَعَلَّ ذلكَ يَرجِعُ إلَى أَنَّ الأَدبَ الحيَّ لاَ صِلةَ بَيْنَهُ وبينَ الكُلِّياتِ في المغربِ، فَجُهُودُنا فيهِ فَرْدِيَّةٌ وثقافتُنا نَفْحَةٌ ممِّا يَمُدُّنا بهِ الشَّرْقُ أو الغرْبُ فَتُعْوِزُنَا لِذَلِكَ  ثِقَةُ الجَامِعِيِّ، واقْتِنَاعُ العالِمِ بمَنْطِقِهِ ومناهِجِ بَحْثِهِ، حتىَّ نستَطِيعَ  أَنْ نَظْهَرَ على النَّاسِ بِأَدَبٍ كأَدَبهِم وعِلمٍ وثقافةٍ  لا يَقِلاَّنِ عمَّا للنَّاسِ مِنْ عِلْمٍ وثَقَافَةٍ. ولَعَلَّ النشرَ في مِثْلِ هذهِ الحالةِ ضرُورِيٌّ. ثُمَّ لعلَّ النَقدَ في مثلِ هذهِ الحالةِ ضرورِيٌّ أيضًا أُريدُ أنَّهُ يُقُوِّمُ ما اعْوَجَّ مِنْ أساليبِ البَحْثِ، ويُعْلِنُ ما خَفِيَ مِنْ تشوِيهٍ، ويُتْمِمُ ما في أدبِنا مِنْ نَقْصٍ، ويُعَدِّلُ ما بِأَدَبِنَا مِنْ اضطِرابٍ. حياةُ الفرديةِ في الأدبِ شرٌّ كُلُّهَا، والاطمئنانُ إليهَا شرٌّ أيضًا ولَكِنْ ما الحيلَةُ ونَحنُ مطمئِنُّونَ إلى موقِفِنا مِنَ الشَّرَّيْنِ معًا قاصدُونَ إلى الاطمئنانِ إليهِما قَصدًا لنُذَكِّرَ أنَّ المُؤلِّفِينَ  والمفَكِّرينَ، ورِجَالَ الأَدبِ ورجالَ الفنِّ، في الشرقِ والغربِ لا يَظْهَرُونَ فِي النَّاسِ بشيءٍ مدرسيٍّ في الأكثرِ، بلْ بالعَكْسِ  يَظهَرونَ في النَّاسِ بمجهُودِهِم الفَرْدِيِّ، ودراستِهِمُ الخَاصَّةِ، ثُمَّ هُمْ بَعْدُ يُناقِشُونَ ويماحِكُونَ ، وإذا شيءٌ لا يُشْبِهُ  ذلكَ الذِي  تَلَقَّوا  في الكُلِّية، وإذا رُوحٌ لا يُشْبِهُ ذَلكَ الرُّوحَ الذي تَبُثُّهُ الجامعةُ فِي الطُّلاَّبِ ، وتَمْضِي فيهِ الامتحاناتُ عليهِمْ.

في المغربِ أدبٌ يستحِقُّ الإذاعةَ وهُوَ- وَإِنْ لَمْ يتَّجِهْ بَعدُ ثُمَّ هوَ وإِنْ لَمِ يَأخُذْ صِبْغَةً تَرْبِطُ بينَ أجزائِه، وتُكْسِبُهُ ميزةً تُفْرِزُهُ عنْ عناصرَ أجنبيةٍ مختلفةٍ، أَثَّرَتْ فيهِ كثيرًا-  أدبٌ فيهِ  مِنَ الصُّوَرِ الحيويةِ، وفيهِ مِنَ المُثُلِ النَّفْسِيَّةِ ما يقضِي بِأَنِ يكونَ لذيذًا مُمْتِعا وبِالحَرِيِّ ما يَقْضِي بأنْ يكونَ فيهْ شيءٌ منَ الأدبِ الحَيِّ. ونَهضَتُنا الأدبيةُ على الرغمِ مما قَدَّمْتْ. لا تزالُ دائبةً في تَقَدُّمِها مُواصِلَةً  سَيْرَها. وليسَ أدَلَّ على ذلِكَ مِنْ أَنَّ ما نُشِرَ قبلُ لِيُكَوِّنَ صورَةً صادِقةً للأدبِ العربيِّ في المغربِ الأقْصَى أَصبحَ لا يُمثِّلُه اليومَ. وأَصبحَ الأدبُ في المغربِ وهُوَ في احتياجٍ إِلى صورةٍ أخرى تمُثِّلُهُ وهكذَا نَجِدُ أَنَّ قِلَّةَ النَّشْرِ تَفرِضُ علينا أَنْ نُفَكِّرَ كُلَّما قَطَعْنا مرحلةً في وضعِ صورةٍ جديدةٍ لأدبِنا القوميِّ.

ahlam lfajr

وفي” السَّعادَةِ” شِعرٌ مُذاعٌ، ولَكِنَّهُ لا يُمَثِّلُ وِجْهَةَ التَّجْدِيدِ في الأَدَبِ المغربيِّ، ولا يَصِحُّ أنْ يكونَ  نَمُوذجًا لحركةٍ  أدبيةٍ في هذا العصرِ! ذلكَ أنَّهُ لاَ يخرُجُ عنْ أخْيِلَةٍ مُبْتَذَلَةٍ في هَلْهَلَةٍ واضْطِرَابٍ  أَوْ هُوَ لا يَخْرُجُ عن أخْيِلَةٍ مُبْتَذَلةٍ في (كوميديا لفظيةٍ  مُتَعَمَّلةٍ، صُفِّفَت في غيرِ تَجَانُسٍ وفُرِّغَتْ في قوالبَ مِنْ فولاذٍ ، وضُغِطَ على مَا سُبِغَ منها لتُخْرِجَ  شِعرا من نوعِ الطَّويلِ أوِ المديدِ هذَا الشعرُ لا يَصْلُحُ  لأِنْ يُتَّخَذَ  مِثالا لأدبِنا القوميِّ أيْضا).

أصابَ (عبد القادر حسن) في إذاعَةِ هذا الديوانِ وأصابَ موضِعَ الحاجةِ مِنْ أدبِنَا اليومَ، فَنَحْنُ في احتياجٍ كَمَا قلتُ ليسَ إلَى الإنْشاءِ فَقَط، بَلْ إلى الإذاعةِ أكْثَرَ، وإِلَى النَّقْدِ والتَّحْليلِ، وأُحِبُّ أنْ يفطِنَ القارِئُ إلى أنَّ هذهِ الإذاعةَ وحدَها  قصيدةٌ ممتازةٌ من قصائِدِ الديوانِ، ذلكَ  لأنَّ عبدَ القادِرِ  ناشئٌ لَمْ يتجاوزِ العشرينَ [1]  ثُمَّ هوَ لمْ يَعرِفِ الميدانَ العلميَّ إلاَّ في سَنةِ1351 بَعدَ أنْ لَبِثَ في الكُتَّابِ القُرآنِيِّ  حينًا وبعدَ أنْ تَقَلَّبَ في مِهَنٍ حَيويَّةِ مُختلفة حيناً آخَرَ أَيضاً.

أذاعَ (عبدُ القادرِ) ديوانَه، وبِإِزَائِهِ عشراتٌ منَ الشُّعراءِ والمُؤلِّفينَ لمْ يَجْرُؤُوا على الإذاعةِ مِثْلَهُ، ولمْ يَجْرُؤوا أَن يَعْرِضُوا على النَّاسِ ما ألَّفُوا وَمَا كَتَبُوا كَمَا عَرَضَ هُوَ مَا كَتَبَ علَى النَّاسِ.

وَدَرَسَ “عبدُ القادرِ” في كليةٍ تَجْهَلُ الأدبَ وتَحْتَقِرُ وتَزْدَرِي بِكُلِّ شيءٍ غير (خليلٍ) وغيَر “المَكُودِي” أوِ” الأشْمُوني ” فهِيَ تَكْرَهُ الأُدَباءَ وهِيَ تَسْخَرُ منَ الأدبِ وهِيَ تَعُدُّ الانصرافَ إليهِ جَريمةً لاَ يُطْمَسُ أثرُها في النُّفُوسِ ولاَ يَمَّحِي شَرُّها، وَلاَ يَسَّاقَطُ عارُهَا ولكنَّ “عبدَ القادرِ” استطاعَ أنْ ينصرِفَ إلَى الأدبِ بعضَ الانصرافِ، واستطاعَ أنْ يَدْرُسَ مِنَ الأدبِ بعضَ الدَّرسِ واستطاعَ أن يَنْظُمَ  فيهِ وأنْ يَكْتُبَ على الإجْمالِ.

أذاعَ (عبدُ القادرِ) ديوانَهُ، وخلْفَهُ شِعْرٌ كَثِيرٌ لمْ يُذَعْ، وخَلَفهُ شعراءُ لمْ يعرفُوا المطبَعَةَ بعدُ. ولعلَّ  في إذاعةِ هذَا الدِّيوانِ ما يُحَفِّزُهُم إليها ولعلَّ في إذاعةِ هذا الديوانِ ما يدفعُ بهمْ لأنْ يُؤَدُّوا الأمانةَ للتاريخِ. ولأَنْ يترُكونَا نَتَفَهَّمُ  أدبَنَا العَصْرِيَّ في غيرِ غُمُوضٍ ولاَ إِبْهامٍ.

نَعمْ، واجبٌ منَ القَارِئِ أن يكون فَطِنًا إلَى حدٍّ ما. فلاَ يَضطرَّنِي إلى أنْ أَرجِعَ به لدراسةِ  شاعريةِ  صاحبِ  الديوانِ ولا يجَشِّمَنِي إسْهابا في شَغَفَهِ بالمجدِ، وكَلَفِهِ بالصيتِ وفي تَأثيرهِ السريعِ. أُحِبُّ أنْ يتَطَلَّبَ القارئُ ذلكَ في صفحاتِ الديوانِ، وأُحِبُّ أنْ يَلتمِسَ شيئًا غيرَ ذلكَ فيها أيضا، فهي كفيلٌ بكُلِّ  شيءٍ من هذا ا لنَّحْوِ.

إنَّمَا مسألةٌ واحدةٌ يجِبُ أَنْ يُنْتبَهَ لهَا، وأنْ يُنتَبَهَ لها جِدًا، ذلك أنَّ “عبدَ القادرِ حسنٌ” لا يزالُ ناشِئًا  في العشرينَ، وعدالةُ  النقدِ تفْرِضُ علينا أن نَعتَبِرَ شعرَهُ أو أحلامَ  طُفولَتِه إِنْ شئتَ ليسَ شيئًا انتَهَتْ  قوةٌ مُخَيِّلَتِةٌ عندَ حدِّهِ، بل مخايلٌ  تَرْسُمُ  لنا منَاحِيهِ  وَوِجْهَتِهِ في الأدبِ في غيرِ تدقيقٍ شَديدٍ، فهوَ لا يزالُ منكَبًّا علَى الأدبِ العربيِّ، دارِسا لَهُ، ولا تزالُ الأساليبُ تُعجِبُهُ فيتأثَّرُ بها. وبعدُ، فَمَا قيمةُ هذا الديوانِ؟

                                                    مراكش  21 شوال 1354

                                                       عبدالله بن  إبراهيم

[1]  – ولد سنة 1334 هـ.

تعليقات فيسبوك

شاهد أيضاً

الدكتور طه حسين في إلــغ

   الدكتور طه حسين في إلـغ[1] عجبا كيف نال الدكتور طه حسين الجواز من سفارات ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *