الرئيسية / مَسكَنٌ حُرٌّ / أيّها الشّاعرُ المجْنون

أيّها الشّاعرُ المجْنون

 

يعتريكَ الجُنون أيّها الشاعر وأنتَ تكتب. قد لا تُطاوعكَ اليدُ ولا الحِبْرُ، فيما تُراقصك اللغة ولا تَملكُ إلا أن تُقدّم بين يديْها كلّ الولاء. تلتبسُ في ذهنك الحقائقُ بالظّنون وتأتي إلى الورقة مترنحاً وتُمسكُ بالقلم ممسوساً. الصّوتُ، هاهنا، يناديك: يا صاح تَحَلّلْ من كلّ معنى، وقفْ فَفِي الوقفة يَدُلّكَ الشِّعرُ على الطّريق. المسافةُ بين القلم وبين الورقة  طويلةٌ جدّاً، فقد تعثُر علَى حرف ناشزٍ يدلُّ على جنونك، وقد تجد كلمةً شاردةً تدخلك إلى العتمة والآخرون ينتظرونك عند الباب يحسبون لك الأنفاس وينصبون لك المِقْصلَة. تخلط المُقدّس بالمدنّس حتى يَضِنّ الإِفْهامُ، وخصيصة كلامك أيّها المجنون هي الجنون. تخاطب الواقفين متوضئا بالدم : خُذوا عنّي لُغتكم فَلي لُغتي وهي جريرتي.

تكتبُ أيّها الشّاعرُ حياةً أشهى من التّفاحة التي أخرجت آدم من النعيم وأجلى من شهوة تبلغ المحال، تعلوها رعشة و يتلوها وَجِيب. حياة تكتبها يبحث عنها الغاوون في ليلهم البهيم، ويفتش عنها المارون بين الدروب، وينتظرها المتحلّقون حول كؤوس مُتْرعة بالرّواء. هل بلغك أيّها الشّاعر أنّك ترى العمى طريقاً إلى الخلاص، وترى الموت “حياة في قصيدة”؟  هل نما إلى علمك، أيّها الشاعر، أنّ الشِّعر قائدك إلى الهلاك وأنت تشيد فوق الأرض اليباب امبراطورياتك الباذخة فيما أنت تقيم على حدود الخطر؟

بين المقدّس والمدنّس تَعْبُرُ ولا تقيم، وبين الذاكرة والنسيان يَنزُّ منك المعنى مُتلفّعاً متخفّياً في أكثر من صورة. في المقدس اتّباع  لا يرضيك. وفي المدنّس إبداع يستهويك. وأنت بينهما، أيها المجنون، تسائل كل شيء، وعلى المِقْصلة تنتظر الجزاء. هنا يُتْمك يَحتمي بالصّمت. وهذا قبرك يمشي بين القبور يسافر في الأرض. من هنا مرّ المتنبي وجلس أبو تمّام، ومن هناك عبر توماس إليوت وكتب إزرا باوند . بَرْدٌ يُصيبك من لغة الضاد يتركك عليلاً وأنت تُصارع معنى وتستكين لآخر.

نُون والقلم وحِبْر من دواة يُمْنَى على الورق. من هنا كان النداء: شين عين راء. من هنا تجلّى لك الصوت مجلجلاً آمراً: أُكْتُب. قلتَ ما أنا بكاتب إذا لم يَحْضُرني الصدى. قال لك : أُكْتُب، فإنّما أنتَ لطخة من سواد زانها الأحمر. وكَتَبْتَ ومَحوتَ ما كتبتَ وخالطكَ العشق كما فتّتكَ الألم وفيك كان الاختلاجُ الأكبر.أيّها الشاعر هل في جسدك بقية تستقبل النداء وتعلن الانصياع للصوت والمعنى ؟

يدكُ التي تَرى هيَ عيْنكَ التي تكتب وأُذنك التي تتهيّأ لتشُمّ عطر الياسمين. لعلّها اليد التي أتعبها الحِبْرُ فما كتبت إلا فاجعة تلاها الكتاب الموعود. جسدُك الذي انْتابَتْهُ الصرخة الكبرى ليس هو الجسد الذي تكتب عنه، فكل ما تُمليه عليكَ الحواس هو وهم يقترب من الحقيقة وسِرٌّ يُهْرَقُ في الذات. دعْ جسدك يتهيأ للرقص على نغمات الحرف. دع جسدك يتَهدْهَد بعيدًا عن فاعلن ومستفعلن كي تأخذه النشوة العارمة وتذهب به اللحظة إلى التيه.

“أيها الشاعر لا تصدّق خلاصات الشعراء السابقين، إعمل على نسيانها، وباشر القصيدة وكأنك أول من يكتب الشعر، أو آخر الشعراء. أيها الشاعر، لا تسأل من أنا ؟ أنت تعرف أمك…أما أبوك فأنت. أيها الشاعر ضع الهامشي إلى جانب الجوهري، لتكتمل النشوة الصاعدة.” (محمود درويش)

وبعد، فهل تبقّى شيء تريد أن تكتبه أيها الشاعر؟

حفيظ الشرقاوي

    حفيظ الشرقاوي

تعليقات فيسبوك

شاهد أيضاً

في ذكرى رحيله: محمود درويش مُتــأمِّــلاً للشِّعر

بِحُلولِ التاسِع من غشت 2017، تحلُّ الذكرى التاسعة لرَحيلِ محمود درويش. وفي الذكرى نستحْضِرُ شاعراً ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *