الرئيسية / مَسكَنٌ حُرٌّ / سُلطة الشعر المغربي المعاصر

سُلطة الشعر المغربي المعاصر

صورة شخصية معدلةراهن الشعر المغربي المعاصر على إبدال الرؤية إلى القصيدة، والانتقال في كتابتها من البداهة إلى طرح سؤال البناء. بهذا الأفق حققت أعمال شعرية سلطتها وهي تصدر عن وعي شعري، هيّأ للكتابة انفصالها عن الممارسات النصية التعبيرية، وفتح القصيدة المغربية المعاصرة على أفقٍ شعريٍّ، انتقلت فيه من وضعية النسيان إلى وضعية المُفكّر فيه، لتُحقق فرادتها وتميّزها.

     للشعر المغربي الحديث تاريخه. ويبدأ هذا التاريخ بالانفتاح، ثم ينتقل إلى البناء. ويستند هذا التأريخ إلى تصور ينطلق من خصوصية النص الشعري نفسه، بما يُبرّر إبدال القصيدة، والانتقال من التقليدية إلى الرومانسية، ثم إلى الشعر المعاصر . ذلك ما يحقق الانفصال عن المفهوم التقليدي لتاريخ الأدب، بما هو تاريخ يعتمد على العناصر الخارجية للنص، وإبداله بمفهوم آخر للتاريخ، أوّل شروطه تأريخ الأدب من داخل الأدب؛ وهو ما يعني الابتعاد عن الحد الزمني في بناء تاريخ الشعر المغربي. تاريخٌ هيّأ للشعر المغربي الحديث،عامة، والشعر المعاصر، خاصة، وضعية اعتبارية مغايرة.

     تقتضي كتابة القصيدة المغربية المعاصرة، وتلقّيها، معرفة شعرية. بها تحققت لبعض الأعمال فاعلية الإبداع، بما هي قدرة على إنتاج نص مغاير. أعمالٌ كانت، في مستوى التلقي، موضوعاً لقراءات ومقاربات نقدية، هيّأت للقصيدة المغربية المعاصرة، بما هي موضوع علمي، صلاحية الدراسة.

     بذلك أصبحت للشعر المغربي المعاصر سلطته، بما يجعل حضوره في الدرس الأدبي الجامعي مطلباً علمياً. وإذا استثنينا بعض التكوينات المؤسسة[1]، التي راهنت على تأسيس وعي جديد بخصوصية النص الشعري المغربي المعاصر، سواء بشكل مستقل أو ضمن تصور عام ينشغل بالشعر العربي الحديث. فإن وضعية هذا المتن تبقى موسومة بالتهميش، وبالإقصاء.

     يعيش الشعر المغربي المعاصر في مستوى الدرس الجامعي أزمةً مركّبة؛ تجعل الخطاب المتداول عنه أسير الأيديولوجي والإعلامي والذاتي، ويُطوّق الاشتغال عليه عوائق معرفية، وتاريخية، وسياسية، تنفصل عن المتن الشعري نفسه. فيما الحاجة إلى دراسته تستدعي خطاباً معرفياً حديثاً، له منطلقاته الابستمولوجية، بقي مفقوداً في الخطاب المتداول عن الشعر المعاصر.

     ويظهر الاهتمام بالشعر المغربي المعاصر، من حيث هو موضوع للاشتغال، في شكل تأملات وقراءات واصفة. ويُبدي الخطاب النقدي المُتوجِّه إليه غياب المعرفة الشعرية، التي تُكسبه خصّيصة العلمية، فيما ينقاد معظمه بسلطة المتعاليات. فباسثناء بعض القراءات المُتحصّنة باختيارات نظرية ومنهجية حديثة، يبقى الخطاب المتداول عن الشعر المغربي المعاصر رهين وعي تقليدي من حيث طرائق المقاربة، التي ظلّت خارج الزمن المعرفي، وفي منآى عن الحركية التي يشهدها حقل الدراسات الأدبية الحديثة.

     للشعر المغربي المعاصر، اليوم، استحقاقُ الانتماء إلى الدرس الجامعي، وينبغي ضمان شرط استمرارية التكوين العلمي المُتوجّه إليه، بما يصون الخطاب النقدي الواصف المتداوَل عنه. ولا تنفصل عن هذا الشرط ضرورة الوعي بموقع الشعر المعاصر ووضعيته باعتباره جزءاً من المشهد الثقافي في المغرب الحديث، وهو ما يستوجب اهتماماً مُؤسّسيّاً يعترف به، ويُنصت لأسئلته وقضاياه.

[1] نخص بالذكر ماستر تاريخ بنيات الشعر المغربي الحديث، وتكوين دكتوراه التصورات النظرية للأدب العربي الحديث في كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط. فيما تنشغل تكوينات أخرى بالشعر المغربي القديم، وتراهن عليه كمادة للتخصص.

يوسف البهالي: أستاذ باحث

تعليقات فيسبوك

شاهد أيضاً

في ذكرى رحيله: محمود درويش مُتــأمِّــلاً للشِّعر

بِحُلولِ التاسِع من غشت 2017، تحلُّ الذكرى التاسعة لرَحيلِ محمود درويش. وفي الذكرى نستحْضِرُ شاعراً ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *