الرئيسية / دراسات / سعيد يقطين: عن واقع الشعر المعاصر بالمغرب ملاحظات وتساؤلات

سعيد يقطين: عن واقع الشعر المعاصر بالمغرب ملاحظات وتساؤلات

telechargement1- تقديم:

     عندما نتحدث عن “واقع” الشيء فإننا في العمق نتساءل عن “حالته” في لحظة معينة وهذا يستلزم منا مساءلة الشيء في علاقته بأشياء أخرى تنضاف إليها الحالة والزمن. وفي حديثنا عن واقع الشعر المغربي، لابد لنا من وضح حالته في إطار كلي هو واقع البنية الفكرية عموما، باعتباره جزءا منها، لكنه يتمتع بخصوصية ضمنها. ويكون حديثنا عن الزمن هنا غير السكوني، وذلك بحكم كون هذا الشعر عرف على مستوى الزمن تحولات بنيوية يمكن أن تسهم في تقطيعنا لمجراه وفق “حالات” التغيير التي عرفها. وبمعنى آخر، إننا نتحدث عن الشعر ضمن بنية فكرية تتحدد في ومع علاقات اجتماعية واقتصادية وسياسية في بلادنا، وهي مشروطة بصيرورة تاريخية تتداخل عوامل عديدة في تحديدها أولا، مع تأكيد على خصوصية وشروط تحولاته ثانيا، من أجل استشراق  الحالة الممكنة ثالثا.

منذ حصول المغرب على الاستقلال السياسي إلى الآن يمكن أن نصف حالتنا وتطورنا على مدى ربع قرن بكلمة واحدة الحجز أو الإعاقة. هذه الإعاقة أو ذاك الحجز شمل كل البنيات، وجعلها في فعلها وانفعالها وتفاعلها بعضها مع بعض تعيد إنتاج نفسها، ولكن بشكل يعطيها صبغة ((التبنين)) structuration  الرسوخ الشمولي على قاعدة ضرورتين لا ثالثة لهما  الارتقاء إلى الإمساك  بجوهر الحجز، والرقي إلى مستوى الفعل (وهذا ما يمكن تسميته بالفعل الممكن). أو التراجع القهقرى أمام  عناد الواقع و (غموضة) والاستسلام له بهذا الشكل  أو داك (وهدا إلى حد بعيد هو الفعل الكائن ) ولا يمكن بحال تجاوز الكائن إلا عبر عملية الفهم والاستيعاب، وعبر الفعل  فهم الذات، واستيعاب الموضوع في علاقة جدلية وترابطية مع الفعل.

إن بنية الحجز هاته كامنة في الذات والموضوع معا بفعل عوامل اجتماعية وتاريخية ما تزال  تكبل طاقات الإبداع والتجاوز، ما لم تتم القطيعة معها على مستوى الوعي-ذاتيا-  الفكري والثقافي. وهي كامنة في الموضوع بسبب التمايز أو التفاوت الطبقي الذي ينجو منحى يجعل محوري التقاطب لا تلتقي مصالحهما وتطلعا تهما، وفي ظل شروط غير متكافئة، وحيث كفة الهيمنة وعلى كافة الأصعدة راجحة على حساب كفة الطبقات الشعبية.

يظهر لنا هذا الحجز، وبشكل مباشر، في المجال الفكري والثقافي ليس فقط على مستوى المغرب فقط، بل وأيضا على المستوى العربي بشكل عام. يظهر لنا هذا أساسا في هيمنة الفكر الماضوي والرجعي بمختلف أشكاله و ألوانه، ليس فقط على صعيد الطبقات السائدة. ولكن أيضا لدى أوسع الجماهير الشعبية العربية. كما يظهر لنا هذا أيضا وأيضا في عجز –وهذا وصف حالة –الفكر المغاير والتقدمي عن بلورة وعي ممكن ثابت الجذور راسخ الأساس في بنيتنا الفكرية يمكن أن يسهم في التطور والامتداد الأفقي. ويبتدئ هذا العجز في مراوحة هذا الفكر المكان، وفي كل مرحلة جديدة تقع فيها متغيرات تهز بنية هذا الواقع وتخلخله (الهزائم مثلا)، يجد نفسه ينطلق من الصفر، ويعيد طرح الأسئلة نفسها التي سبق له طرحها في مرحلة فائتة. إن تبنين الحجز ثابت ومستمر .لكن الوعي والفعل الكفيلان بمواجهة هذا الحجز لم يرتقيا بعد إلى الإمساك بجوهر المعضلة وبكلمة إنهما لم بتبنينا ولم يبنيا أسسهما بعد في واقعنا.

إن إلحاحنا على هذا القديم له أهميته القصوى. ولا نريد منه فيما يتعلق بموضوعنا –عن واقع الشعر المغربي المعاصر-إلا استنتاج عنصرين رئيسيين:

1  الدعوة إلى ضرورة مساءلة واقعنا بنظرة واقعية. هذه النظرة الواقعية التي ينبغي أن تطال كل المجالات الإبداعية والنقدية والاقتصادية والسياسية، ألا يكفي ربع قرن وزيادة لأخد الدروس ومساءلة الواقع  مساءلة جوهرية؟

2-موقعة الشعر المغربي في هذا الإطار قصد إثارة وتعميق الأسئلة بصدده كمقدمة لنقاش جاد ومؤسس، كي تكون نظرتنا، شعراء وقراء ونقادا أكثر عمقا ونفادا من أجل إدراك المكونات التي تساهم في تشكيلة وتحديده من أجل آفاق أكثر انفتاحا واتساعا.

لكل هذه الأسباب، وأخرى غيرها، نريد أن يكون هذا المقال مثيرا للأسئلة ومفتوحا على أية إضافة من

شأنها أن تعمقه وتضيف إليه أسئلة أكثر جوهرية وعمقا. ولأجل ذلك سنحاول مقاربة واقع الشعر المغربي كإنتاج أدبي له مميزاته عن بقية النتاجات الأدبية والفنية الأخرى. وفي هذا النطاق سنعالجه في علائقه الكلية التي تشمل بالإضافة إلى الوضعية السوسيو-ثقافية التي ظهر فيها. القارئ والناقد. كما سنحاول مقاربته زمنيا منذ أواسط الستينات إلى الآن من خلال تركيب عام ينطلق من الخصوصي العام و الشمولي لا المتفرد والخاص. وذلك من خلال هذه النقط 1) عن عمومية الشعر.2) مأزقية التواصل.3)عن أسئلة الشعر.

2 .عن عمومية الشعر

بدءا. ودفعا لكل التباس لاشك حاصل، لا نقصد بعمومية الشعر المعنى المصطلح عليه والمتداول تقيد الشعر بالنموذج التاريخي ( القصيدة العربية الكلاسيكية )، وإن كانت الدلالة التي نريد إعطاءها إياه تحيل إليه ضمنيا. ولكننا نقصد كون الشعر كإنتاج مكتوب لا يعرف امتدادا أفقيا على صعيد كلي وشامل. وحتى على صعيد  الفئات القرائية المتواجدة ببلادنا. لا يعرف ذلك الامتداد الأفقي. إن عمومية الشعر ببلادنا من أهم عوامل الحجز الموضوعية التي تحول دون دمقرطة الشعر وجمعنته. في ظل شروط سياسية تعليمية وثقافية تعمل على ترسيخ بنية الحجز على المستوى الثقافي. وهذه العمومية بهذا المعنى تلتقي وعمودية الشعر بالمعنى الاصطلاحي ومضمونها الكلاسيكي.

إن عمومية الشعر هاته ستبدأ تثير منذ أواسط الستينات إلى منتصف السبعينات سجالات عديدة حول ثنائية الموقف- اللاموقف، في ارتباط وثيق مع الثنائية المكررة الشكل- المضمون. لذلك يمكننا موضعة الشعر الذي سيبدأ في التواجد  والشيوع في ساحتنا الأدبية، ومنذ أواسط الستينات، في إطار وضعية الشعر المغربي آنذاك كمنطلق لمقاربة، محاكمة هذه العمومية.

ظل الشعر المغربي إلى حدود هاته الحقبة عموديا بالمعنى الاصطلاحي. هذه العمودية التي استعادها الشعر الوطني في العهد الاستعماري، والذي سيجد نفسه فاقدا أفقيته باستنفاذه دوره في مواجهة التطورات والمستجدات التي آل إليها الوطن، والتي كان عليه أن يواكبها  من منظور جديد أو ينعزل هذه المواكبة، نجح الشعر العربي في المشرق ومند أواخر الأربعينات في تحقيقها بمواجهته البنية الذهنية والاجتماعية العربية. وبالنسبة إلى المغرب، فإن ضرورة مجابهة البنية الشعرية، ما كان لها أن تتأسس على قاعدة صلبة ومتينة تستمد مشروعيتها من منظور ثابت، وتصور متكامل لمجابهة السائد الأدبي والشعري بالا خص. لذلك سنجدها ومنذ البداية (أواسط الستينات) تعيش كل سوءات البداية  الازدواجية سواء على مستوى “التيمات” les thèmes  أو البناء، إن هذه الازدواجية بما تحمل من بذور الحجز، لأنها ظلت محكومة بتصورين متناقضين: عدم التخلص من العمودية التاريخية، ومحاولة الانفتاح على التجربة الشعرية الجديدة، لم يكن بإمكانها على الأقل أن تسهم في مراكمة إنتاج شعري جديد كفيل بخلخلة البنية الشعرية السائدة، وترسيخ بنيات جمالية جديدة على غرار ما نجد في الشعر العربي في أقطار أخرى (العراق – سوريا ولبنان – مصر …).

لهذا السبب نجد، وبارتباط مع محاولة تجاوز الحجز على المستوى الاجتماعي والسياسي منذ أوائل السبعينات، ظهور تجارب شعرية ارتبطت بتطورات عديدة عرفها المجتمع المغربي آنذاك، تحاول تجاوز التجربة السابقة التي هيمنت منذ الاستقلال وإلى أواسط الستينات، وتبني نفسها على سجال معها، وتروم تجاوزها باسم  الموقف –اللاموقف. والجماهير –النخبة. وكان طبيعيا في إطار هذا السجال أن يحتد بحسب محطات الصراع السياسي الساخنة، أو في الفترات التي ينشط فيها العمل الجمعوي والثقافي. وجدير بالذكر هنا كون هذا الصراع كانت امتدادات التجربة الشعرية السلفية تدخل فيه هي أيضا ومن موقعها الثابت، والذي تحاول فيه الدفاع عن القيم الأدبية التقليدية، ومن الموقع نفسه تهاجم التجارب الشعرية العربية المتقدمة والجديدة التي تحد لها امتدادات في التجربة الشعرية المغربية.

ونحن نتحدث هنا عن التجربة الشعرية الجديدة، لا نتحدث عنها إلا في إطار كلي تتيح لنا بعض نقط  التمايز بينها وبين سابقاتها نعتها بهذا الشكل، وذلك لأنها، كتجربة الشكل غير متجانسة وغير متقاربة إلا في حدود الحالة الكلية التي تضمها، والتي يمكن اختزالها جميعا في كلمة واحدة مغامرة البحث عن التجربة الشعرية المتميزة، والتي كانت تدفعها ضرورات التموقف إلى معانقتها ومحاولة بلوراتها.

تتجلى لنا بعض هده السمات في معطيين أساسيين

1-تقلص شعر التجربة العمودية-اصطلاحا- رغم استمرارها كشكل يتجلى  لنا بين الفينة والأخرى في شعر المناسبات، أو تخللها قصائد أخرى تحاول الخروج على نمطية القصيدة الكلاسيكية، وبالا خص على مستوى المضمون (محمد الحبيب الفرقاني –محمد الوديع الا سفي )،وتضخم الشعر مند بدايات السبعينات،أو تقلص إنتاج بعضهم ،والدي تختلف فيه تجربة الشاعر من ديوان إلى أخر (محمد بنيس-عبد الله راجع-احمد بلبداوي-علال الحجام-اخمد بنميمون-رشيد المومني-محمد الأشعري)

2-سكوت العديد من الشعراء الذين لعبوا دورا كبيرا في محاولة بلورة التجربة الشعرية الجديدة والتمهيد لها منذ أواسط الستينات أو تقلص إنتاجهم بدرجة كبيرة احمد المجاطي محمد الخمار الكنوني محمد السرغيني ابراهيم السولامي عبد الكريم الطبال محمد الميموني احمد الجوماري عبد الرفيع جواهري وظهور أسماء جديدة وباستمرار منذ أواسط وأواخر السبعينات عبد الله زريقة عبد الرحمان بوعلي محمد غريز الحصيني  محمد الطوبي المهدي اخريف

تأسيسا على كل ما سبق ومن منطلق طرح السؤال يحق لنا أن نتساءل عن مدى تجاوز الشعر المغربي المعاصر لتلك العمودية وتطوره في إرساء بنية جمالية فنية ولغوية جديدة  ألا يحق لنا أن نتساءل بعد خوالي العقدين من الممارسة الجديدة عن واقعها وممكنها في تجاوز وذخر ما أسميناه ببينة الحجز التي تطال كل شي بما فيه البنية الجمالية من اجل إعطاء هذا السؤال مشروعيته نأمل أن نناقش ذلك من خلال النقطة التالية

3-مأزقية التواصل

تحدتنا سابقا عن عمودية الشعر من زاوية خاصة تكمن في كونها معطى موضوعيا نتيجة بنية الحجز الشاملة التي تطول كل المجالات وعلى كافة الأصعدة والشعر كإنتاج أدبي له خصوصيته المنفردة تدعونا الضرورة إلى استيعاب مكمن الحجز الذي يعرفه من اجل الارتقاء إلى مستوى الفهم أولا والتجاوز ثانيا

في البدء يمكننا تمييز كل عمل أدبي بخصوصيته التي تجعل منه عملا أدبيا من جهة ومختلفا عن بقية أنواع النتاج الأدبي الأخرى وخصوصية الشعر تكمن في طبيعة لغته الشعرية التي تخرج وتنزاح عن طبيعة الاستعمال اللغوي المتداول واليومي سواء على مستوى التركيب أو الدلالة

هدا الخروج او الانزياح سماه البلاغيون العرب القدامى ونقاد الشعر تسميات خاصة وحاولوا ضبط أنواعه وألوانه فأجازوا أو اباحوا وحرموا ومن بين تلك المفاهيم التي استعملت لتحديد انواع هذا الخروج الشعري نجد على سبيل المثال فقط ما يدخل في باب ما يجوز للشاعر دون التأثر وما قعد له في علوم البلاغة بصفة عامة والتي كان الهدف منها كعلوم تربية النشئ تربية تستمد هويتها من نموذجية القيم التي تمتد على مستوى الشعر الى ما قبل الإسلام هذه القيم الاجتماعية والجمالية الثابتة على صعيد الذهنية العربية أعيد تأسيسها وإرساؤها منذ بدايات الاتصال بالغرب كشكل من أشكال التحدي وارى في الوسيلة الأدبية للمر صفى نموذج إعادة التأسيس هذه لكن التجربة الشعرية الجديدة عربيا ستنجح منذ أواخر الأربعينيات في خلخلتها ومحاولة تجاوزها بتحقيقها في تقديري انزيحا نوعيا يتجلى ضمن ما يتجلى في سمتين أساسيتين

1 تأكيد التمايز والاختلاف بين لغتين ضمن اللغة العربية ذاتها الأولى كتابية أو بإحدى المعاني يومية في شكل ممارستها في الثقافة والحضارة وليس في التواصل اليومي بين أفراد المجتمع والثانية شعرية تتم على مستوى قاعدة الإبداع الغني وليست إعادة إنتاج لما هو في الخطاب الشعري

2 وهذه السمة متداخلة والأولى ومترابطة وإياها وذلك لكونها حققت انزياحا وخروجا على بنية شعرية  ثابتة على مستوى متغيراتها البنيوية التي غدت مسكوكة مرسية بذلك أسسا جديدة في إنتاج الخطاب تستمد جدتها واهم دعائمها بتناصها الخارجي والشعر الانجليزي في مرحلة والغربي بشكل عام لاحقا

 في هدا النطاق تم تجاوز الطريق المسدود الذي آل إليه الشعر العربي عدة قرون للدرجة التي أصبحت فيها اللغة الشعرية يومية بأحد الأشكال ويمكننا التدليل على هذه الإشارة فقط إلى كون التشبيه والاستعارة بمختلف أنواعها قد أصبحا معا وخلال حقبة طويلة جدا أحاديا الدلالة أي بمعنى أن العلاقة فيهما بين الدال والمدلول أصبحت تعيينية لا إيحائية أو متعددة الدلالة فالبحر يساوي لبكرم والنهدان تفاحتان أو رمانتان وهكذا دوليك عكسما نجد مع التجربة الشعرية الجديدة التي سمعت وهي في بدايتها إلى تحطيم هده الثبوتية التعيينين وعمقت التمايز بين اللغة الشعرية واليومية من جهة واللغة الشعرية الكلاسيكية من جهة ثانية

إن هذه الخاصية التي دشنت مع التجربة الشعرية العربية الجديدة سنجد لها امتدادا نسبيا منذ أواسط الستينات في تجربة الشعر المغربي الحديث وان بشكل طبعا

وصولا إلى  هذه النقطة من التحليل يمكننا أن نلاحظ بشكل عام تمايز بين المستويين على الصعيد الشعري تجربة شعرية راسخة الجذور في التاريخ والوعي العربيين وتصل إلى الطريق المسدود وتجربة شعرية جديدة تحاول أن تتبنين على قاعدة ثابتة ولم يكن لهذا التمايز إلا أن يتعمق انه لم يكن معلقا في فراغ ولكنه كان مؤسسا على قاعدة اجتماعية وسياسية تحبل بالمتحولات وبمختلف أشكال الصراع التي يتداخل فيها الوطني بالطبقي بالقومي الشيء الذي يجعل هدا التمايز لا يعرف نوعا من الفرز ولا يرتبط بتصور متجانس ولو في الحدود الدنيا بين مشروعين اجتماعيين متمايزين ويؤكد هذا  في الآن نفسه خصوصية المجتمع العربي المعاصر وكل البلدان التي عرفت تطورها الحديث عبر إدماجها القسري بفلك الامبريالية كان نتيجة غياب هذا العنصر الفرز الداخلي الطبيعي كانت إمكانات تطور التجربة الشعرية الجديدة محكومة بعوامل متعددة أهمها الحجز الشامل الذي حاولنا إبراز أهم مظاهر في عمودية الشعر…..

إن تجلي هده الأشياء يغدو أكثر وضوحا أما عندما نترجم مفاهيم التجربة الشعرية البنية الذهنية الجمالية،

إلى ثلاثة عناصر ترتبط بوثوق بالإنتاج الشعري (والأدبي و الفني بوجه عام ) الشاعر و القارئ

و الناقد.

بناء على ما سبق أن أوجزناه عن خصوصية الإنتاج الشعري، والتجربة الشعرية الجديدة خصوصا في السياق الذي جاءت فيه كتجاوز للسائد شعرية سنجد كلا من الشاعر والناقد و القارئ مثقفا بأحد المعاني التي تتضمنها هده الكلمة ، وباختلاف في درجة ممارسة الوظيفة الاجتماعية للثقافة داخل مجتمعنا.

إن الشاعر، كمثقف، فيما يسمى بدول العالم الثالث، حيث تعقد وتشابك الصراع لتأخر الفرز الطبقي، يعيش وضعا متأزما ومزدوجا –وهذا وصف حالة-، فهو ضد ومع هذه العناصر الثلاثة: السلطة – الأحزاب – الشعب، ومن الآن نفسه بدرجات متفاوتة ومختلفة. وبما أن وظيفته الإيديولوجية “كتابية”

إذا صح هدا المعنى،في مجتمع يسود فيه الجهل والأمية ، فان إحساسه يزداد مأساوية وتوترا:  فا لمعبر من أجله (الشعب)حاضر لكنه غائب، لأنه لا يتوصل و إنتاجه ذا الخصوصية (الشعر)، ولأنه لا يقرأ، والمعبر عنه (الواقع) يواجهه بعنف وحصاره.إن هده الوضعية يجعل فيها الا مل بالتغير بموازاة مع اليأس منه.

وتترجم بشكل واضح في مثل هده الأسئلة:   لمن اكتب؟ مادا تجدي قصيدة شعر أمام تردي أوضاع الجماهير؟  وأمام سقوط جنوب لبنان؟  والمذابح؟ وإلى  آخره من الأسئلة ويتضاعف هدا الإحساس لدى الشاعر أيضا، عندما يرى النقد السياسوي- وهذا أحسن تعبير يمكن أن نصمم  به هدا النوع من النقد المسمى عادة بالإيديولوجي- كيف يتعاطى وإنتاجه الشعري، وعندما تدينه-القراءة-الاستهلاك، متهمة إياه بالغموض وعدم الانحياز للجماهير التي لا تفهمه ،و لا تدرك إلغازاته ..

إن مآزقية التواصل تتأسس هنا على منطلقين رئيسيين و مترابطين، و ليس هناك ما يسوغ فصلهما عن بعضهما بعضا عندما نريد القيام بتحليل دقيق للمسالة: تاريخي و سوسيولوجي  ((الجمالية))_التعيينية للإنتاج الأدبي على مستوى النقد، و على  هدا الناقد أم لم يعه ، وعلى مستوى القارئ بشكل اكبر . هدا القارئ الذي يلتقي و العمودية ،(و هي التعبير الاجلي عن خلفية معرفة و أدبية تقليدية )،في المدرسة و الجامعة ،عبر وسائل الإعلام (البرامج الأدبية مسلسلات _محاكمات أدبية…) و حي اتصاله بالتجربة الشعرية الجديدة في الصحف و المجلات ((يواكبها نقد شعري حقيقي . هذا النقد الذي يزال مختلفا عن مواكبة الإبداع.

2-ويبرز لنا السوسيولوجي في طبيعة الصراع السياسي والإيديولوجي (أوائل السبعينات إلى أواسطها) ، والتي هيمن القول بضرورة خضوعه الثقافي والأدبي ( الشعري) للسياسي. وكان هدا المناخ منطلق اثارة إشكاليات عديدة حول مسالة الغموض والالتزام والموقف..

إن ترابط المنطلقين معا لدى القارئ والناقد ،وترابطهما، وان بشكل آخر  مع الحجز ،يسهم في ازدواجية الشاعر المشار إليها، في هده الشروط التي تتوازى فيه مختلف عوامل ما يكرس مأزق التطور تضاعف وإحساس الشاعر بعدم تواصل الآخر معه يعمق لديه تلك المأساوية كشعور ووعي.

بناء على ما سبق أن أوردناه، يمكن أن نستخلص مؤقتا، إننا وبباسطة لم نتساءل قط ومن منطلق تأسيسي ومؤسس لممارسة عملية ترمي إلى مراكمة الأسئلة والبحث، ما هو الشعر؟  ما هي وظيفته الاجتماعية، وفي أي إطار وسياق تأتي وتهدف؟ من هو القارئ الذي ينبغي أن نكون؟  ولماذا؟

لنعطي لهده الأسئلة مشروعيتها، سنحاول القيا م بتركيب إضافي للنقطتين الانفى الذكر في “أسئلة الشعر”

.أسئلة الشعر

لتكتسب أسئلتنا مشروعيتها،لابد لها ، في مختلف القضايا الاجتماعية التي نطرح بصددها السؤال ، من إن تتوفر على مد لا باس به من الواقعية.ونقصد هنا بالواقعية، ضرورة مطابقة السؤال لمستلزمات وامريات الواقع الراهن، المفهوم هنا فهما مركبا لا سكونيا. وبدون دلك، لا يمكننا ، ان نقع في مغبة مراوحة المكان.ترى بماذا نفسر كوننا نعيد أبدا الأسئلة عينها، حول العديد من القضايا في محطات ومنعطفات عديدة يزخر بها واقعنا العربي الحديث  لا مراء أن لعدم مطابقات أسئلة لامريات الواقع وبوعي مطابق ، دخلا في هدا.

فيما يتعلق بالشعر، فان نوعية الأسئلة التي طرحت حوله ردحا طويلا من الزمن ، ما كان لها ان تتيح لنا إمكانية انتقالنا مستوى في تمثل القضية واستيعابها إلى مستوى أعلى ، لقد كان السؤال يتركز بالأساس حول وظيفة الشاعر الشيء الذي أدى إلى مراوحة المكان، وعدم تقدمنا حتى في الإجابة على هدا السؤال نفسه.

لقد مارس الشعر المغربي وظيفته إبان الحركة، ومع امتداد الصراع الفكري والإيديولوجي منذ أواخر الستينات وبداية السبعينات،أصبحت الدعوة إلى وظيفة الشعر أولية، وهي المقياس الذي تحاكم به التجارب الشعرية.وهدا الوعي ساد أمدا طويلا وكرس مع “شعر” الجامعة لدى العديد من القراء أو الشبيبة التعليمية أو الطلابية . وظل بسبب عدم استمرار هدا النوع من الشعر الذي كانت تحتضنه الأنشطة الثقافية التي كانت تقام في الجامعة أو في دور الشباب. والتي يحل فيها التصفيق وترداد الشعارات محل النقد الشفوي الذي اشرنا إليه سابقا.غير إن هذا الوعي الوظيفي بالشكل المحدد أعلاه، سيعرف نوعا من التقليص بعد التضييق الذي عرفه  النشاط الجمعوي بعد يونيو ، والدي سيطال الجامعة أيضا.وعندما تنضاف إلى هدا العامل الداخلي ، مطرا-عربيا-على صعيد القضية الفلسطينية (كقضية وطنية)، واحتياج الجنوب ومذابح صبرا وشاتيلا إلى خروج المقاومة.. فان الوعي الوظيفي للشعر،وللكثير منه الأشياء سينقلب إلى ضده بتغيير العديد من الأشياء، وتحطم العديد من البديهيات. وسيصبح السؤال الوحيد حول وظيفة الشعر يحتمل جوابين متناقضين

  • -تصعيد الوعي(التحريض).
  • -مادا يجدي الكلام ينبغي أن تتحمل الجماهير و الأحزاب و الأنظمة مسؤوليتها ووسط هدا إلا ارتباك كان الحديث عن الشعر يخضع أبدا لهذا الطابع  طابع الحجز .
  • -ان لنوعية ومضمون الأسئلة التي نطرحها دخلا في دلك ولا نعدم في هدا الصدد بعض المحاولات الاستفهامية التي تروم التأسيس والتجاوز،والتي تنبغي مناقشتها في مجال آخر.

وعندما نضيف إلى ما حاولنا إثارته في النقطتين السابقتين عن عمودية الشعر، ومأزقية التواصل ، ما نطرحه حاليا عن طبيعة الأسئلة، نؤكد أن السؤال التأسيسي ينبغي أن يكون نقديا، وينطلق  من محاولة فهم الموضوع ونقده ، على قاعدة فهم الكائن وتدقيق الممكن وفي هدا الإطار ، فان ما نراكمه من أسئلة جوهرية كفيل-على مدى غير محدد-بجعلنا ننتقل نوعيا من مستوى إلى أخر أعلى على طريق التأسيس-و التجاوز.

إذا أخدنا-على سبيل المثال-جملة من المفاهيم والتصورات التي سادت ساجلنا الأدبي، وحاولنا رصد

ما راكم  ناه من وضوح إزاءها، ترانا سنجد رصيد ا في هدا الصدد ام لا  لطا لما تحدثنا عن الالتزام، والعلاقة الجدلية بين الشكل والمضمون ، وموقفية الشعر، والأدب وعلاقته بالواقع .لكننا في فكرنا النقدي الحديث لا نكاد لنا “أدبيات”في هدا المجال. إننا نتحدث في كل هده الإشكالات “الخطيرة” بدوغمائية مطلقة لأننا لسنا الدين انتجوا هده الإشكالات. نتحدث عنها كبديهات، نعود فيها جميعا إلى “مرجع” واحد

وحتى عندما نختلف في تدقيقها فدلك يعود الى نوعية قراءتنا لدلك “المرجع”.

يتمثل هدا المرجع فيما أخدناه عن الأدبية الشرقية عن (الواقعية الاشتراكية)، وما استوعبتاه في حقبة من محمد مندورولويس عوض ومحمود أمين العالم وعبد العظيم انيس…وما أخدناه في حقبة أخرى من مترجمات بليخانوف وارنست فيستروسيدني فليكانشتاين وغروموف وكا جان وماوتسي تونغ.. وما بدا يظهر مند أواسط السبعينات عن لوكاش وغولدمان في تداخل مع ما بدا يسود عن البنيويات.

لكل دلك كان يسود نظرتنا إلى الأدب (الشعر)التسليم بالبديهيات ، وليس الانطلاق في القراءة والاستيعاب. لذلك أيضا لم نكن نراكم أسئلتنا ولكنا كنا نرد د  أجوبة. أليس هذا امتداد ا لتعاملنا والفكر الماركسي لأمد ما يزال مستمرا…وعندما نربط هده المستويات جميعها بما قلناه عن البنية الذهنية ببلادنا

وعن طابع الحجز الذي تعرفه هده البنية (والشعر ضمنها)ألا يصح لنا تأكيد عمودية الشعر وما يرتبط بها كتجل من إحدى تجلياتها، مأزقية التواصل، وإن ارتقاءنا إلى التجاوز رهين بالإمساك بمعضلة الحجز هاته التي تطال كل شيء.

إن الأسئلة الجوهرية والأساسية عندما نطرحها لا يمكن أن تحل نفسها بنفسها. ومهما عملنا على تأجيلها تحت أي مبرر من المبررات فإنها تظل واردة في جدول أعمالنا شئنا أم أبينا، وعينا بذلك أم لا. وإن الأسئلة الأولية حاضرة أبدا.

من قبيل الأسئلة التي لم نطرحها قط، ونعتبر الاهتمام بها أو طرحها ترفا فكريا أو مثقفيا باعتبار كون هذه الأسئلة تملها الممارسة التي نراهن عليها، ولا نرى بان النظرية في علاقتها بالممارسة هي التي تراكم إمكانيات حلها بشكل تدريجي ومستمر ودائب.

“ماهو الشعر؟” من قبيل الأسئلة الأولية التي لم نطرحها قط.ما هي خصوصيته ضمن باقي الانتاجات الأدبية الأخرى؟ ما هي مكوناته ا لخطابية؟  وما هي وظيفته، وفي أي إطار تنتظم وفي أي سياق من التحليل يمكن طرحها؟  كيف نقرا الشعر؟  ولماذا؟  من هو القارئ الكائن؟

هده عينة من الأسئلة تطال الكتابة والقراءة في ترابطهما، وفي علاقتهما بالمجتمع وكما طرحنا في مدخل هده النقطة، فواقعية هده الأسئلة مشروطة بوعينا المطابق .هدا الوعي هو الذي يحدد طبيعة تعاملنا وإياها .وحتى عندما نستفيد من التراث الإنساني في إجابتنا عنها او تدقيقها ، ينبغي أن تكون استفادتنا نابغة من هدا الوعي المطابق الذي نجيب به على أسئلتنا بناء على ما يمليه عليه واقعنا.

في هذا الشرط بالضبط نكون نطرح أسئلتنا وبتفاعلنا الايجابي مع التراث العربي والإنساني بعامة، نكون نقدم أجوبتنا التي ينبغي أن تراكمها على طريق فهم معضلة “حالتنا”من اجل تجاوزها ومن اجل ذلك، ومن اجل بلورة تلك الأسئلة في وعينا لا بد من الانطلاق من نقد الذات، ونقد الأسلحة التي نستعملها كشرط لازم للقيام بهاته الممارسة.ولابد أيضا من الانطلاق من نقد بهدف تدقيق أسئلتنا و إبراز مكامن الحجز التي ما تزال تعتمل في دواخلنا بسبب عوامل معقدة ومركبة في واقعنا تعطي للحجز تربة خصبة للتجدر والنمو وان نقوم كقراء ونقاد بطرح الأسئلة الأولية على كي نتجاوز البسيط من الوعي الذي نجل، ونحارب العوائق التي تحول دون تطورنا بدون مراوغة ولا خداع للنفس .وان نقوم كشعراء بقراءة شعرية بدون نرجسية، وان نتوقف بوعي لنقرا أنفسنا، ونعرف شعرنا جيدا، وان نقوم كنقاد بإعادة شحذ وعينا النقدي وتدقيق أداوتنا ومفاهيمنا

أترانا ندخل زمن النقد؟ هناك بوادر عديدة، بدأت تظهر في ساحتنا الثقافية. لنفتح بصددها النقاش  ولنرس حولها أسس حوار ديمقراطي مؤسس.دلك هو المدخل المشروع الكائن وتنمية عوامل الممكن .وليس لأي ادعاء امتلاك الحقيقة إنها  أبدا ثورية.

هذه بعض الملاحظات التي تبدو لي ضرورية، ونحن نتحدث عن واقع الشعر المغربي المعاصر ضمن بنية اشمل لابد أن نسائلها، ونتقدم في انجاز المشروع. وأقدم هده الملاحظات والتساؤلات بهدف إثارة النقاش وتعميق الحوار، وإثارة المزيد من الأسئلة التي بدون طرحها لا يمكن أن نتقدم في فهم المعضلات التي تتخبط في بنيتنا الثقافية، فبالأخرى حلها وتجاوزها.

المصدر:مجلة الفصول الأربعة،السنة الثامنة،العدد 30/31 ،1985

تعليقات فيسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *