الرئيسية / مواعيد ومتابعات / سعيد يقطين: تودوروف الشرقيُّ المتغرب

سعيد يقطين: تودوروف الشرقيُّ المتغرب

تودروف.يقطينيعيش المرء مع بعض الناس، ويحبهم، دون أن يراهم، أو يلتقي بهم. لكنه، من خلال كتاباتهم، حين يتصل بها مدة طويلة من الزمان، يصبح وكأنه يعاشرهم معاشرة حقيقية، فيتعرف على نفسياتهم وأفكارهم ودورهم في الحياة. لذلك حين يفارقوننا، يحس وكأن أحد أعز زملائه، ستنقطع عنه أخباره، وستزول من لائحة اهتماماته انتظار جديد أعماله.
ذلك ما وقع لي مع تزفيتان تودوروف. تأثرت كثيرا عندما سماع نبأ وفاته، لأنني تعرفت عليه منذ أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، وظلت عشرتي له متواصلة، ولاسيما في الحقبة البنيوية التي لم يكن يرد فيها اسمه إلا مقرونا بأستاذه جيرار جنيت. وبما أننا نشترك في صحبة الأستاذ الذي ظل قريبا منه، وبقيت أتعرف عليه من خلال كتبه فقط، فقد كانت الرفقة جامعة، وإن تفرقت العلاقة بيننا مع الزمن، منذ أن خرج تودوروف من السرديات إلى ما وراءها، وبقيت متصلا بما بعدها، وهو ليس سوى امتداد لها.
هاجر هذا البلغاري إلى فرنسا، وهو يحمل هاجسين اثنين: الفرار من تسلط «ديكتاتورية البروليتاريا» في بلده الخاضع لسلطة المنظومة الاشتراكية، والانخراط في الفضاء الثقافي الذي بدأ يهيمن في فرنسا بعد الحرب الثانية. جاء إلى الغرب الآخر محملا بقراءات كثيرة في اختصاصات متعددة. وكان يحذوه هاجس التخلص من التبسيط الجدانوفي الذي حول الأدب والتفكير فيه إلى تعبير عن سلطة الحزب الواحد، فوافق حضوره باريس بداية بروز البنيوية، فرأى فيها ضالته التي تخلصه من الجمود الفكري والأدبي. نبهه بارث إلى ضرورة الاتصال بجيرار جنيت الذي سيجد عنده بغيته. وفعلا انخرط معه في الصيرورة «البويطيقية»، من خلال الاهتمام بالسرد، وتطوير النظرية الأدبية، التي كان يهمها فهم «خصوصية» الأدب في ذاته، بعيدا عن أي إكراه خارجي، تمليه سياسة الدولة. وكان بحثه حول «الديكاميون»، و«الأدب والدلالة» في أواسط الستينيات إعلانا عن الدور الذي سيضطلع به في المساهمة في النظرية الأدبية بنيويا، وإليه يعزى تسمية «السرديات» بعد أن ظل التردد شائعا في البداية، ففرض وجوده، في الساحة الأدبية باجتهاده وإصراره على الانخراط بوعي وجدية في النقاشات التي واكبت البنيوية.
كان لمشاركته مع جنيت في مجلة «بويطيقا» ومنشوراتها المختلفة دوره الكبير في تطوير النظر إلى «علم الأدب» من الزاوية الجمالية، تمييزا له عن «السيميائيات الأدبية» التي تبحث في المعنى والدلالة. برز ذلك بجلاء في مشاركته في المؤلفات التي انخرطت في الإجابة عن سؤال ما هي البنيوية؟ تحت إشراف دوكرو. وكان كتابه «البويطيقا»، يجيب عن مشروع البحث في الأدب من الزاوية العلمية، طارحا مختلف الأسئلة التي تنفتح على المستقبل. وإذا أضفنا إلى ذلك ترجمته لنصوص الشكلانيين الروس، في أواسط الستينيات، وتقديمه لباختين في بداية الثمانينيات، يتبين إسهامه الكبير في مد الجسور بين البنيوية والاجتهادات السابقة عليها، والمؤسسة على خلفية لسانية، أو تلك التي ترمي إلى تطوير البنيوية بجعلها مفتوحة على التاريخ. كما أن مساهمته في الاهتمام بنظرية الأجناس الأدبية، والمساهمة في وضع معجم موسوعي للسانيات والنظرية الأدبية الجديدة مع دوكرو، وكتاباته عن الأدب العجائبي جعلت منه علما من أعلام مرحلة مهمة في تاريخ الأفكار.
ترك تودوروف أكثر من عشرين كتابا، ترجمت العديد من كتاباته إلى العربية، سواء في المرحلة البنيوية أو بعدها. وكانت لها أدوار كبيرة في تطوير الدرس الأدبي العربي. لكن روح اشتغاله بالأدب لم تنفذ إلى واقعنا، لذلك ظلت كتاباته مادة للاستشهاد، وليست مشروعا للبحث والتطوير. ولعل أحد أبرز العوامل التي ساهمت في ذلك، تعود إلى كون لغته بسيطة وواضحة، وتظهر فيها ثقافته الواسعة، كما أنها متنوعة تمس جوانب متعددة من الموضوعات والقضايا، وإن كنت أرى أن أهم إنجازاته تمت في المرحلة البنيوية. ولا يعني هذا أن كتاباته غير البنيوية، التي اهتمت بالآخر والهوية والثقافة والتاريخ لا قيمة لها.
لكن السؤال الذي يراودني دائما هو لماذا نجح الشرقيون المتغربون، الذين فروا من التسلط الإيديولوجي، إلى فرنسا، مثل جاكبسون وكريستيفا وغريماس وغولدمان وغيرهم في أن يحققوا نجاحا باهرا جعلهم يحققون مواقع مهمة في الثقافة العالمية، في حين لم تتمكن إلا قلة قليلة جدا ممن أصولهم عربية في فرض أنفسهم خارج مجالهم الذي ينتسبون إليه؟ فهل المشكل نابع في الأصل الذي ينتمون إليه؟ أم في التصور الذي تشكل لديهم عن الغرب، وجعل بعضهم يكتبون عن الغرب، وهم غير قادرين على الاندماج في فضائه الفكري والثقافي والعلمي؟ أم في الذهنية التي جعلتهم عاجزين على التفاعل مع منجزاته الثقافية والعلمية؟
بالنظر إلى تودوروف أرى أنه المثقف الذي هاجر من أجل أن يفكر بحرية افتقدها في وطنه. وفي وطنه الثقافي الذي هاجر إليه، تفاعل مع ما يعتمل فيه بجدية وعمق، ففكر بحرية، فأصبح الباحث العالمي. بالنسبة إلينا، ونحن نتفاعل مع الآخر، نبقي أنفسنا منعزلين عنه، فلا ننخرط في فهم الذات ولا الآخر. وتلك هي معضلتنا الثقافية؟

سعيد يقطين

تعليقات فيسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *