الرئيسية / حفريات / سعيد حجي: شبابٌ غُفل

سعيد حجي: شبابٌ غُفل

PicsArt_02-26-07.43.37لعلك إذا بحثت وأجهدت نفسك بالبحث في قواميس اللغة عن صفة تصف بها الشباب المغربي الذي حاول أن يقترب من مدنية العصر بتعلمه للغة من لغاتها الحية، لا تستطيع أن تجد صفة أوفق تصفه بها من كلمة “غفل”.

فإن هذه الطائفة من الشباب، وهي صلة الوصل بين المغرب القديم المتهدم، والمغرب القادم المتجدد، أبعد الجماعات المغربية عن فهم مهمتها في الحياة، وهي بتعلمها العصري لم تزدد إلا حبا في الخمول، وشغفا بالانعزال، بل ما لنا نذهب بعيدا ونطلب منها أن تعمل للوسط الذي تعمل فيه وهي لا تعمل حتى لنفسها كإنسان حي متمدن، عليه واجبات وله حقوق، فإن ثقافتها- أو بالأصح تعليمها- يقف عند الحد الذي غادرت فيه المدرسة، وتُقسم الأيمان ألا تحيد عن فكرتها المدرسية الضيقة، طول سنوات بل وطول عمرها، فلا تكاد تجد زمرة منها تشغل بالها بفكرة علمية، أو شغف فني، أو محاولة مستقلة ناجحة في ميادين الاقتصاد.

بل الأغرب من هذا أن أغلبها لم يتذوق حتى المطالعة في كتب المتعة واللذة من روايات وقصص تحفل بها الخزانة الفرنسية، والأنكى من ذلك كله أنها قلما تطالع الصحف الفرنسية اليومية لتعلم شيئا ما عن مجريات العالم وتعيش في عصرها.

حاول أن تتصل بهذه الجماعات من هاته الطائفة التي احتلت الوظائف وتربعت في كراسيها الضيقة، وحاول أن تجد فردا منها يشغل نفسه بنظرية فلسفية ينتصر لها أو ينددها، أو بفكرة اجتماعية يراها سلم النجاة لأمته، أو سبب التأخر بها، أو بديوان شعر ينشد أبياته، و يترنم لمعانيها، ويطرب لمقطعاته الموسيقية، أو برواية تجمع الفكرة إلى الأسلوب البديع والخيال المنسجم يعيش في حلمها البديع ويحملك أن تعيش معه هنيهة.

فهذه الطائفة- التي يجب أن توجه الحملة ضدها من جميع المثقفين المغاربة- تكاد تكون في عزلة عن الحياة العصرية، ولم تستطع أن تقترب منها إلا في بعض مظاهر لا تتصل بجوهر التجديد في أي ناحية من نواحيه العديدة، فهي في غفلة عن هذا العالم المتقلب المتجدد في كل يوم ولكل حادثة، وهي تغط في نومها لا تشاء أن تستيقظ حريصة على حياتها القائمة ولاهية بلذاتها التافهة عن فهم روح العصر والسعي في تجديد مظاهرها و تغيير أساليب معيشتها، فتعلمها لم يؤثر في الحياة المنزلية بشيء كما لم يؤثر خارج تلك الحياة بشيء، بل إن التعليم لم يؤثر في نفسيتها أقل تأثير، ولم يميز بينها وبين ذلك المغربي الذي قضى سنوات في مكتب ضيق الجدران.

إننا نربأ بالمدنية العصرية أن تمثلها لدى شعبنا هذه الطائفة من الشباب المهدم الآمال المحطم الأعمال، فإن الصورة التي يظهرون بها لا تمثل مدنية العصر في شيء، ومن الواجب أن يفهم ذلك الجمهور المغربي ويعلم أن مظاهر هذه الطائفة شيء ومظاهر المدنية العصرية شيء آخر لا صلة بينهما بتاتا. وبذلك لا غير لا تسقط المدنية العصرية في نظره، بل يقدرها ويحترم رجالها ويعمل على اقتباس حسناتها.

فإن الشباب الذي تعلم اللغة الفرنسية أساء فهم مهمته، ولم يؤد رسالته للحياة المغربية في أية صورة من الصور، وهو فوق هذا وذاك كسول قنوع لا يحس بآلام ولا يشعر بآمال ولا يطلب رفعة ولا يفكر في مجد لا لنفسه ولا لأمته.

فهو إذن شباب غفل لا يرجى خيره ولا يخشى شره. تلك مرتبته فليقدرها إن شاء.

سعيد حجي، “شباب غفل” في نصوص من الثقافة المغربية الحديثة، إعداد عبد الجليل ناظم وجلال الحكماوي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، 2008، ص-ص. 59-60.

تعليقات فيسبوك

شاهد أيضاً

الدكتور طه حسين في إلــغ

   الدكتور طه حسين في إلـغ[1] عجبا كيف نال الدكتور طه حسين الجواز من سفارات ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *