الرئيسية / كتب حديثة / محمد بنيس يُتَرْجِمُ «الموجز في الإهانة» لبرنار نويل

محمد بنيس يُتَرْجِمُ «الموجز في الإهانة» لبرنار نويل

          bennis+bernardصَدرَتْ عنْ دار توبقال للنشر في المغرب، وضِمْنَ سلسة “معالم”، الترجَمَة العربية لكتاب الشاعر الفرنسي برنار نويل الموجز في الإهانة، والذي عَمِلَ على تَرْجَمَتِه الشاعرُ المغربيُّ محمد بنيس. ويضُمُّ الكتابُ مقالاتٍ ونُصوصاً هي تأملاتٌ ذاتُ أبعادٍ سياسيةٍ في وضعياتٍ أفرزَها المجتمعُ الغَرْبيُّ عُموماً، والفرنسيُّ منْهُ على وجْهِ التَّحديدِ. كما أنَّ الكتابَ إدانةٌ صريحةٌ لِغَسْلِ الدِّماغ الذي يَقومُ بهِ الخِطاب الإعلامي مُستغِلّاً، في ذلك، كلّ الوسائلِ المُتاحةَ.

          وتندرِجُ تّرجمَةُ كتابِ الموجز في الإهانة، ضِمْنَ مَشرُوعٍ بَدَأَهُ الشّاعر- المترجم محمد بنيس منذُ 1998، حينَ نقَلَ إلى العربية مُختاراتٍ شعريةً لبرنار نويل تحْتَ عُنوان هسيس الهواء، ثم عمل طريقُ المَداد سنة 2013، على أنّ هذه التجربةَ لم تَتَوَقَّف عند حُدود الشّعر، بلْ جاوَزتْهُ إلى ترجمة كتاب النسيان Le livre de l’oubli، الذي يَقرَأُ، فيه برنار نويل، النسيانَ في علاقتِه بالكتابة.

          يتوزَّعُ كتابُ  الموجز في الإهانة، بَعْدَ مُقدِّمة المُؤلِّف، إلى قِسْمينِ رئِيسَيْن. عُنْوِنَ الأوّلُ بـ: “الخِصاءُ الذّهني”، ويُسائِلُ فيه برنار نويل قضيّة حُريَّة التعبيرِ في الأنظِمَةِ الديمُوقراطيّة، وجَدْواهَا في علاقةٍ بالرّقابَة، ويَخْلُصُ إلى أنَّ هذهِ الأخيرةَ يمْكنُ أنْ تَحُدَّ منْ حُريةِ التَّعبيرِ، لكنّهَا لا يُمْكِنَ أنْ تقِفَ ضِدّاً على جُموحِ حريَّة التفكيرِ. ونُطالِعُ ضِمْنَ القِسْمِ الأوَّلِ، دائِماً، وِجْهة نظرٍ جديدةٍ، وصَريحةٍ، تخُصُّ وسَائِلَ الإعلامِ، والتي جَعَلَها برنار نويل، في عُنوانِ مقالتِه، مرادِفاً للاحتقَارِ؛ حيث تنقلُ البرامجُ التلفزيةُ، عَبْرَ الإشهارِ، رسائلَ تكونُ، في كثيرٍ من الأحيانِ، غيرَ عفويةٍ. فالإشراطُ الإشهاري، يجعلُ المستهْلِكَ لا يَعِي بالبَيْعِ الذي هُوَ موضُوعُهُ. ويخلُص نُويل إلى أنَّ الدماغَ الجاهِزَ يقتَصِرُ على عَكْسِ الرَّسائلِ الإشهارية عوَضَ تأمُّلِها. فهذهِ السُّلطةُ التي تمْنَعُ الدّماغَ منْ استعادةِ وعْيِها، مرَدَّها تحكُّمُ الاقتصادِ في وسائلَ الإعلامِ، هذه الأخيرةُ التي تحتقِرُ كلَّ ما لا يَخضَعُ لها.

          وفي مَوْضعٍ آخرَ من الكتابِ، يُشير نويل إلى نَحْتِهِ لكلمة “الرقابة على المعنى” التي تُقابِلُ Sensure في الفرنسية، للدلالة على الحرمان من المَعْنَى، ويرى أن تأثيرَهُ يُضاهِي تأثير المخدراتِ في قيمةِ الخَسَائِرِ التي يَتَعَرَّضُ لها العَقْلُ الإنْساني. على أنَّ العامِلَ الأسَاسِيَّ في الحرمان من المعنى يَعُودُ إلى هَيْمَنَةِ التلفزيون، وعَدّهِ الوَسيلةَ الإعلامِيةَ والثقافية التي تُقدِّمُ نفْسَها للاستِهلاك بِسُهولَةٍ، وعليهِ فإن المتفرج، وبشَكْلٍ سلبي، يمكن أن يتلَقَّى سيْلاً هادراً من الرسائل، أخباراً ووثائق وصوراً، دون بذْلِ أدنى مجهود، فـ” الاختراعُ العبقري للنظام الإعلامي […] يرضينا حتى التخمة بالمظْهر، وبعبارة أخرى أن يحتلنا باللاشيء”.(الموجز في الإهانة، ص.31.)

          ويناقِشُ برنار نويل، في مِحورٍ آخرَ من محاورِ الكتاب، علاقةَ الدولة بالعُنف، والذي تبرّرهُ بضمانِ المصلحةِ العامّة؛ فيما هو لا يغدو، في نظر الكاتب، سوى ضَمانة لسُلطتها. ويتوقَّف صاحِبُ الكتاب، كذلك، عند المعَانِي المُتلوِّنَة التي بَدَأَتْ تمْنَحُها وسائِلُ الإعلام لكلِمةِ “إرهابي” منْذُ ظهورِها في القرن العشرين، فيَرى بأنّ كل مقاوم يُوصَفُ بالإرهابي حينَ يكُون الاحتلالُ غيرَ شرْعيٍّ، وعنْدَ التحرير، يتحَوّلُ الإرهابِيُّ “المُجرِمُ” إلى بَطلٍ أوْ شهِيٍد.

          ويتضَمَّنُ القسم الأول من الكتابِ، إضافةً إلى ما سبقَ، نُصوصاً أخرى، منها “سياسة الجسد”، نصّ التقديمِ الذي خصَّ بهِ برنار نويل الجزءَ الثاني من أعماله الكاملة الصادرة سنة 2011، ونصّ “بخصوص بلانكي” الذي يتناوَلُ مشاهِدَ حياتيةً من تجربَةِ المُناضل الفرنسي أوغست بلانكي. على أنّ الشاعِرَ يُنْهِي هذا القِسْمَ بتأملِّ حال الثورات، ويقول بضروريتها، لكنّه يشترِطُ التخطيطَ لها لكي لا تُلْغِيها الشروط العامة.

          أمّا القسمُ الثاني من الكتاب، والذي يختارُ له برنار نويل عنوان “مع فلسطين”،  فهُوَ مُسانَدةٌ صَريحةٌ ومُعلنةٌ منهُ للقضية الفلسطينية، في سياقٍ دوْلي لا يَتأخَّرُ عن الوُقوفِ إلى جانِبِ إسرائيلِ رغْمَ خَرْقِها المُتواصِلِ والمُتَكَرِّرِ للمَواثِيقِ الدّولية. ويتوَقّفُ نويل عند المعاني التي تأخذها كلمة “اجتياح” في المعاجم الفرنسية؛ إذ تحْمِلُ معْنى الغارة، والصدام، والهجوم، والاقتحام المؤقتِ لمجالٍ ليس في ملْكِيَةِ المُجتاح، ويرَى بأن إسرائيل تتمادى في احتِقارِ الفلسطيني بتَوالِي الغارات والاجتياحاتِ على أراضِيه، وإهَانَتِه، كلَّ مرة، عندَ نقاطِ العُبور. على أنَّ برنار نويل يتَنَبَّهُ إلى أنَّ إسرائيلَ باتَتْ منْدَهِشةً من المقاوَمَةِ التي تَلْقَاهَا، وتبْدُو لَها غيرَ مُبَرَّرَةٍ، فيما هي تُمَثِّلُ أدنى حَقٍّ للفلسطيني الذي استَأْنَسَ بالإهانة واعتادَ عليْها.

          ونعْثُر، فِي النص الأخير من هذا الكتابِ، على كلمَةٍ مُعَنْوَنَة بـ” لأجل محمود درويش” تحسَّر فيها برنار نويل على عَدَمِ منْح الشاعر جائزة نوبل للآداب، الشاعِرِ الذي لم يُدافعْ عن فلسطين، وَحَسْبُ، بلْ كان بشكلٍ طبيعِيٍّ صَوْتَها، لا الناطِقَ باسْمِها. ويرى نُويل بأنَّ وفاةَ درويش، وضَعَتْ حدّاً لانتظارِ تتْوِيجِه بهذه الجائزةِ، وَتتويجِ كافَّةِ الفلسطينِيّينَ، الذين يَنْتَظرُونَ منْ قراءَةِ أعمال الشاعر نِهايةَ المَنْفى فوْقَ أرْضِهم التي يَمْلِكُونَها.

          وبالجُملَةِ، يُغْري كتابُ الموجز في الإهانة بالتأمُّل، ذلِك ما انْتَهَتْ إليهِ قرَاءَتُنا لِنُصوصِهِ، فيمَا هو يَنْفَتِحُ على قضايَا ذات أبعادٍ فكرية واجتماعِيّة وسياسيةٍ، ويسائلُ التأثيراتِ المتعددةَ لوسَائِل الإعلام، التي تُشَيِّءُ كلَّ شيءٍ، وَثقافَةٍ، وتُحَوّلُهَا إلى سِلْعةٍ. كَمَا أنَّ الكتابَ الْتِفَاتَةٌ رَمزيةٌ، من برنار نويل، إلى مُعاناةِ الشَّعبِ الفلسطيني الذي مَا يزَالُ يَتَعَرَّضُ، في كلِّ حينٍ، إلى الاحتِقارِ والإهانَةِ.

ينشر بالاتفاق مع جريدة الاتحاد الاشتراكي، عدد السبت- الأحد 25- 26 فبراير 2017.

20160726_100645

سفيان الماجدي

تعليقات فيسبوك

شاهد أيضاً

رضوان ضاوي: “التراث الشعبي الليبي بعيون ليبية”

خصص الباحث محمد سعيد محمد كتابه “ذاكرة قرية” (1998)، الصادر عن المركز الوطني للمأثورات الشعبية ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *