الرئيسية / وَشْـمَة / ” هستيريـا” للكاتبة لطيفة لبصير

” هستيريـا” للكاتبة لطيفة لبصير

أقف في الشرفة، وأنظر طويلا… مرت ثلاثون سنة وأنا أشهد ميلاد هذا الضجيج في حضن هذا الحي. أطفال صاروا شبابا حملتهم بين يدي، لكنني اليوم لا أقوى على حملهم، فقد صاروا ينظرون إلي نظرات غريبة أتوارى منها وأنا في الطريق إلى المكتبة. كانت نظراتهم تتفحص محفظتي الثقيلة التي أحملها منذ سنوات، والتي أصبحت تبدو لكل أفواه هذا الجيل عبئا لا يستطيعون أن يتحملوه، لذلك يسخطون علي. تتفحصني جارتي بتلميحاتها البئيسة، استوقفتني، لتخبرني أن أهل الحي يرون أنني قد جننت، وأنني أخبئ رغائف في محفظتي أبيعها في قيسارية الحي المحمدي، فقد رآني أحدهم هناك، وأخبر الجميع. فتحت المحفظة، إذ أنني أصبحت في وضع المتهم، تطاولت جارتي بعنقها لترى أن الكتب هي التي تستوطن المحفظة، وقالت:

 – مسكينة ، غير الكتب..إيوا الله يعفو عليك منهم..
 قالتها كمن يتحدث عن السجائر أو الحشيش، أحسست بالفعل وأنا أمضي، أن الكتب هي أيضا بلاء كبير، ولكنني فكرت طويلا، أنني قد حملت هذه الكتب أكثر من المعهود المرسوم في أذهان الجميع، وأنني بحكم هذا الزمن كان ينبغي أن أنتقل إلى شيء آخر لم أمر إليه، لذلك يصر جميع شباب الحي وأطفاله أن لا يقلدونني في حماقاتي التي تخسر زمني، بل صارت لهم حماقات أخرى، وكان علي أن أبدأ أنا الأخرى بنبش حماقاتهم والسخرية منها فقد صاروا أعداء صغارا لي، وهم يكبرون وينبذون مذهبي… كانت خديجة التي أشرفت على العشرين تداري وجهها لدى عودتي، أتذكر حين كانت صغيرة جدا كيف كنت أداعبها وأحملها ونحن نتضاحك ونتمازح، لكنها اليوم تخفي وجهها المدور المكتنز قليلا وعينيها الشاحبتين، لم أكن أعرف مصدر شحوبها إلا حين أخبرتني الجارة أنها تقضي وقتا طويلا في حي الهراويين صحبة أحد الشبان في أحد البيوت القديمة، وأن ذراعها الأيسر صار مليئا ببثور زرقاء بفعل الحقن الملعونة… كانت خديجة تدرس صحبة أختها التي تكبرها بعامين، لكنهما تخليا عن الدراسة، هذا الزمن لم يعد زمن العلم، ثم إنني أسوأ مثال يدفعهم إلى الكد والجد، حتى أختها صارت تعاشر رجلا متزوجا وتجلب المال. كنت أستغرب في البداية كيف لا يعرف أهل البيت بمصدر النقود، لكنني فيما بعد أدركت أنهم يعرفون ولا يريدون أن يعرفوا، فلديهم فتاتان جميلتان يمكن أن يحصلا على نقود هم في حاجة إليها. من الغريب أنني الوحيدة التي ما زالت تحمل كتبها المتشردة في هذا الحي، فالكل أصبح يرفض ذلك، بل أصبحت عبرة لكل من سولت له نفسه أن يسلك أدراج التعليم أو يرتقي إلى درجة أخرى….
 كان علال يجلس منذ سنوات في الحي يرقب المارة، أو بالأحرى يرقب المارات، هذا الرجل المسن الذي يبيع سجائر بالتقسيط في الشتاء والصيف، والتي لا تكفي حتى لسد رمقه اليومي، وجدته ينصح الشبان في عصر ذلك اليوم لعدم نهج نفس مصيري..كان يضحك مبرزا إحدى الأضراس اليتيمة التي ما زال يحتوي عليها فمه الكريه، وبالرغم من أنه تزوج من فتاة شابة، ولست أدري لماذا قبلت بالزواج منه، فهو لا ينفك يتحدث عن مؤخرات الفتيات اللواتي اكتنزن مؤخرا في هذا الحي، بل إنه يصنفهن حسب الدرجات والمراحل ويتفنن في ترتيبهن من الأشهى إلى الأقبح. ويضع لهن تواريخ محددة عن وقت إعمارهن، ونضجهن، ويرسمهن في أبهى الصور للرائي والمستمع، وكثيرا ما تجد الشباب ملفوفين حوله، ذلك أنه بنظرهم يحكي” الأخبار العريانة”، التي تذكي في عروقهم بوادر النشوة والاحتراق وتزج بهم في الرغبة والعادات التي يختبئون ليمارسوا ثقلها المحموم… علال ” مول الديطاي” معلم الجيل في هذا الحي، الرجل الذي لم يتعلم في مدرسة، ولم يحمل كتبا يصير هو مؤلف الحكايات والقصص، ويستقطب الشباب الراغب في الغزوات الممنوعة والتي تصير مشاهد حقيقية ومثمرة في شاشته البئيسة… وكثيرا ما أشهد زوجته بتغنجها الجميل وهي في الطريق إلى ما لا يعرف، ودون أن ينتبه إلى مؤخرتها ينصرف إلى حكاياته التي لا تنتهي. يوما ما سأتبع هذه السيدة ذات العينين الكبيرتين اللواتي لا تمنحا أي إحساس بالبراءة… فالكحل الذي يغطيهما ينبئ أنهما لشخص آخر غير هذا العجوز الخرف الذي يلتهم الآخرين بحكاياته المختلقة…
 أقف في الشرفة كل مساء، يمثل هذا الحي كل حياتي التي نسفتها الكتب والأحلام. بالأمس اختفيت مع عمر وداعبنا بعضنا، أخبرته عن هذا الحي الذي أصبح عبئا بالنسبة لي، ووعدني بأنه يوما ما سيحملني بعيدا حيث نعيش معا، بأحلامنا التي لا تنتهي، وأن جرينا وراء الكتب ستكون له نهاية. لكنني صرت أرى أننا كل يوم نقترب من نهاية أخرى، فقد ابتعدت طويلا عن اليوم الذي بدأت فيه هذه الدراسة الطويلة الأمد والتي كنا نتباهى بها حينئذ كوننا طلبة “السلك الثالث”، وربما كان أبي على حق حين كان يسميه ” السلك التالف”، ويبدو أنه من الأسلاك الشائكة التي لا تنتهي، أو هكذا يرى الآخرون في هذه الحبال الطويلة… أجلس وأغني أغنية قديمة لعبد الهادي بلخياط:
 “في قلبي جرح قديم…
 يا ناس أجا ما دواه….”
 أتذكر أن زمنا عبر ولم يحدث أي تغيير، أحلم وأؤجل، وأحلم دون نهاية، وأستغرب كيف لهذا الحي الذي عشت فيه كل هذا الزمن لم يتغير هو الآخر، كبر أطفاله وصاروا هم أيضا متشردين، يحقنون أيديهم بالإبر أو يبيعون الحشيش أو يتشاجرون بسكاكين حادة ويدخلون السجن ويخرجون ويتشاجرون ويعودون ويخرجون وتتكرر الدائرة دون نهاية. كان هذا الحي قديما يلقب بحي “بوقمرة”، لكن هذا الاسم انتهى الآن، فقد كان بوقمرة من أوائل المتمردين في هذا الحي، رغم قصر قامته، كان يشن حروبا على الأحياء المجاورة، لكنه منذ أن هشم له أحد الأبطال رأسه، أصبح شعره عاريا على شكل هلال. فلقبه الجميع منذ ذلك التاريخ ببوقمرة، ومنذ ذلك الحين صاروا يطلقون على الحي اسم بوقمرة، وعائلته، بعائلة بوقمرة. حتى أختيه الاثنتين اللواتي طال بهما المقام دون زواج استحوذا على رجلين متزوجين من الحي، وغادراه دون رجعة، وانسحب بوقمرة تاركا تلك التسمية ترن لسنوات طويلة… ما زال بعض شباب الحي يرون فيه قدوة للشباب الفائر، العنيد الذي لا يترك الآخرين يغيرون على مساحته ويدافع على حيه باستماتة.
 كان أبي يتنحنح في مدخل البيت، رأيته فانسحبت إلى السطح، لا أريد أن أواجهه مرة أخرى، فهو يرانى مجموعة كتب متنقلة يكرهها، ويحمد الله كثيرا أنه لم يدرس طوال حياته، وإلا للعنه الناس على ذلك، تسللت إلى الغرفة المنزوية في سطح البيت، وجلست هناك. كنت أستمع إلى موسيقى هادئة، لكن صوت إحدى الدجاجات أربكني، وكأن دجاجة تستغيث، خمنت أنها ربما وقفت في الأعلى وأنها ستنتحر، بحثت عن مصدر الصوت، ونظرت من أعلى السطح إلى سطح الجيران، رأيت علال “مول الديطاي” في حالة هيجان شديد ، يزمجر ويتأوه، الوضع بدا غريبا و لم أستطع حصر المشهد، لكن منظر الدجاجة وهي تصعد وتهبط بين يديه أوضحا لي الصورة، صرخت فيه:
 – حتى الدجاجة ما اعتقتيهاش أعلال…
 يرمي بالدجاجة ويفر هاربا، أي عالم هذا الذي أرى أمامي، تساءلت، ما الذي يجعل هذا الرجل يضاجع دجاجة، وهو متزوج من شابة جميلة؟ لست أدري… صراخ آخر سمعته من بيتنا، أبي يصرخ ويرمي بالكتب من النافذة، الجيران يتطاولون … ما الذي يحدث؟
 نزلت الدرج بسرعة، هب أبي في وجهي بعنف:
 – أللا خوذي حويجك واخرجي…
 – فين غاذي نمشي… نبقى غير في بيت السطح…
 – أللا ذاك البيت غادي نكريه بعشرين ألف ريال… أنت وصلت اربعين عام… البنات اليوم كايجيبوا الفلوس، وانت آش كاتجيبي؟
 يصرخ أبي، يتدخل الجيران، يقسم بصحراويته أنني لن أبيت ليلة واحدة في المنزل ويستشهد ببنات الحي الصغيرات اللواتي ينفقن منذ هذا السن. كان أبي على حق، فقد أمضيت أربعين عاما في الكتب…. أغادر المنزل وأنا أفكر… لم أعد فتاة صغيرة، ماذا لو بعت رغائف لذيذة في قيسارية الحي المحمدي؟
لطيفة لبصير

تعليقات فيسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *