الرئيسية / وَشْـمَة / محمد حلمي الريشة: ما يشبِهُ بيانَ الشَّاعرِ في اليومِ العالميِّ لشِعرهِ

محمد حلمي الريشة: ما يشبِهُ بيانَ الشَّاعرِ في اليومِ العالميِّ لشِعرهِ

ما يشبِهُ بيانَ الشَّاعرِ في اليومِ العالميِّ لشِعره

FB_IMG_1490175279839
بعضُ مَا فيكِ.. أَنا
كلِّي هيَ.. أَنتِ!
يوشوشُ الشَّاعرُ لقصيدتهِ.

يُحتفل باليومِ العالميِّ للشِّعرِ فِي الواحدِ والعشرينَ مِن آذارَ/ مارسَ مِن كلِّ عامٍ. لكنِّي، وأَنا أَكتبُ عنهُ اليومَ/ الآنَ، أَقولُ: إِنَّ الشِّعرَ أَعيشهُ كلَّ يومٍ، كمَا عشتهُ آنفًا؛ بكلِّ هيبتهِ وهذيانهِ، ووقارهِ وجنوحهِ، وراحتهِ ونصَبهِ، فهوَ النَّصيبُ مِن حياةِ الشَّاعرِ فيَّ.

كلُّ حديثٍ عنِ الشِّعرِ ليسَ بِذي شجونٍ؛ فقدْ طالتِ التَّغييراتُ الأَجناسَ الأَدبيَّةَ مِن أَشكالٍ، وإِيقاعاتٍ داخليَّةٍ وخارجيَّةٍ، ومضامينَ مختلفةٍ، بسماتِها، وعلائقِها، وحمولاتِها ومحمولاتِها. فالشَّعرُ، كمَا أَراهُ بعَينِ أَناملِي وقلبِ عقلِي، هوَ لغةٌ أَوَّلًا، قدْ تحرَّرتْ مِن عباءةِ البلاغةِ، بلْ طوَّرتْ أَساليبَها بشكلٍ يكادُ يشكِّل مَا هيَ عليهِ الآنَ، وطفراتٍ مشهودٍ لهَا بشروطٍ تاريخيَّةٍ أَفرزتْها الوقائعُ والمستجدَّاتُ الثَّقافيَّةُ والفكريَّةُ والفلسفيَّةُ والسِّياسيَّةُ، فالشِّعرُ ليسَ بمنأَىً عَن كلِّ هذَا، بلْ هوَ ذاكرةٌ مستقبليَّةٌ لمَن ومَا سيأْتي.

الشِّعرُ نفسهُ لَا يُعرَّفُ؛ كلُّ تعريفٍ للشِّعرِ لَا يَعدو كونهُ تعريفًا للتَّعريفِ. وهوَ أَكبرُ مِن أَنْ يقعَ فريسةَ السُّؤَالِ: مَا مستقبَلهُ؟ الشِّعرُ لمْ يستطعْ أَحدٌ ضبطَ تعريفٍ لهُ، بلْ كادتْ بعضُ الشُّروحاتِ تقاربهُ ابتعادًا ليسَ إِلَّا. الشِّعرُ، فِي حدِّ ذاتهِ، عالمٌ جماليٌّ قائمٌ بمدادِ ذاتهِ، يستشفُّ صورَهُ مِن دُواةِ المخيَّلةِ المتيقِّظةِ. لكنْ مَا يؤْسفُ لهُ؛ ظهورُ كثيرٍ مِن متقوِّلي الشِّعرِ ومدَّعيهِ؛ مردُّ هذَا افتقادُهم للذَّائقةِ الجماليَّةِ، وانحصارِ ثقافتِهم داخلَ حدودِ ذواتِهم الضَّيِّقةِ، فِيما أَنَّهُ سهلٌ قيادتهُ كمَا يظنُّونَ، فمَا يفتقدونهُ هوَ وهجُ الكتابةِ، وإِبداعيَّةُ القولِ الشِّعريِّ “أَبلغُ الوصفِ مَا قلبَ السَّمعَ بصرًا” (ابنُ رشيقٍ القيروانيِّ)، حيثُ تتداخلُ الكلماتُ، فتضجُّ السُّطورُ بصورٍ غارقةٍ فِي الإِبهامِ الَّذي يجعلُ صورتَهُ غيرَ سلسةٍ بمرآةِ القارئِ، أَو بالمباشَرةِ والسَّطحيَّةِ، فيعزفُ عنهُ إِلى الرُّوايةِ لاسترسالِ السَّردِ فِيها تبعًا لتطوُّرِ وتصاعدِ الأَحداثِ، والَّتي صارَ لهَا صدًى بالنَّتاجاتِ الأَدبيَّةِ الَّتي نالَ بعضُ كتَّابِها حظًّا وافرًا منَ الشُّهرةِ، بلْ هناكَ مَن سلكَ اتِّجاهَ الكتابةِ الرُّوائيَّةِ متنحيًّا عنِ الشِّعرِ. غيرَ أَنِّي أَقولُ: الشَّاعرُ الحقُّ لَا يستطيعُ إِلَّا أَنْ يظلَّ شاعرًا.

إِنَّ كثيرًا منَ (الشُّعراءِ) لَا يزالونَ لَا يميِّزونُ فِي كتاباتِهم بينَ النَّصِّ النَّثريِّ السَّرديِّ الحكائيِّ والقصيدةِ بالنَّثرِ (هذهِ المسأَلةُ يجبُ مناقشتُها)، فلَا شيءَ يمنحُ الشِّعرَ إِبداعَهُ سِوى لغتهِ الَّتي ينشئُ بِها الصُّورَ “وإِنَّما الكلامُ أَصواتٌ محلُّها منَ السَّماعِ محلَّ النَّواظرِ منَ الأَبصارِ” (عبدُ القاهرِ الجرجانيِّ)، فالجمالُ الشِّعريُّ يتجلَّى حينَ يتخطَّى الشَّاعرُ زمانَهُ ومكانَهُ بامتلاكِ لغتهِ الخاصَّةِ بهِ، بدونِ إِغفالِ تَوهُّجاتِ المخيَّلةِ والذَّاكرةِ المنتبهةِ. إِمَّا أَنْ يقولَ الشِّعرُ شعرًا جديدًا/ مغايرًا/ منبوذًا مِن “فقهاءِ الظَّلامِ”، لَا مِن فقهاءِ التَّأويلِ، كلَّ شعرٍ، أَو ليصمتَ. وإِمَّا أَنْ لَا يكفَّ عَن طرحِ الأَسئلةِ المصابةِ بشهوةِ الوجودِ، واشتهاءِ الحياةِ، وشراهةِ الإِنسانِ، علَى اختلافِها واختلافاتِها، أَو فليبقَ خارجَ حديقةِ الشِّعرِ المختلِفِ والمختلَفِ عليهِ، علَى مقاعدِ انتظارِ المتشابهِ/ المتكرِّرِ/ المجترِّ لفظًا ومعنًى ومتنًا؛ فهذَا هوَ مكانهُ فِي لَا مكانِ الشِّعرِ، وهذَا هوَ زمانهُ فِي لَا زمانِ الشِّعرِ !

حولَ عزوفِ النَّاشرِ عَن نشرِ الشِّعرِ، فهذهِ مسأَلةٌ نسبيَّةٌ؛ إِذْ لَطالما كانَ الشِّعرُ الإِبداعيُّ غريبًا مغتربًا؛ لأَنَّهُ كتابةٌ مستقبليَّةٌ الآنَ، ينتظرُ قارئًا قادمًا. لقدْ كتبتُ للشَّاعرِ: اِحفرْ عميقًا مَا استطعتَ إِلى ذلكَ سبيلًا، واصطدْ فِي محيطٍ بإِتقانِكَ الصِّنَّارةِ والصَّبرِ، واعلمْ علمَ اليقينِ أَنَّ الشِّعرَ الَّذي تكتبهُ بدِربةٍ وأَناةٍ واحتراقٍ؛ ينتظرهُ قارئٌ فِي المستقبلِ، فلَا تبئسْ، ولَا تيأَسْ، ولَا تنتحرْ شعرًا؛ لأَنَّ لغتكَ الشِّعريَّةَ لَا تُكتشفُ فِي هذَا العصرِ!

إِنَّ معظمَ النَّاشرينَ تجَّارٌ؛ لهمْ أَنْ يكونُوا هكذَا بمنطقِ الاستمراريَّةِ، لَا بشراسةِ الجشعِ، فالكتابُ كالرَّغيف، وبالمقابلِ عليهمْ أَنْ يؤدُّوا دورَهم التَّوعويَّ فِي آنٍ، لَا أَنْ يُساهموا فِي نشرِ السَّخافةِ لَا الثَّقافةِ، والفجِّ لَا النَّاضجِ، والاتِّباعيِّ لَا الإِبداعيِّ.

طبعًا، لَا يخفَى علَينا أَنَّنا أُمَّةٌ لَا تزالُ تهوَى سماعَ الحكاياتِ، فهوَ التَّدريبُ الأَوَّلُ المرافقُ للذَّهابِ إِلى النَّومِ سنواتَ الطُّفولةِ، ثمَّ درجَ المعظمُ علَى قراءتِها للتَّسليةِ لَا أَكثرَ، علَى الرَّغمِ مِن أَنَّنا أُمَّةُ شعرٍ “الشِّعرُ ديوانُ العربِ”، ثمَّ أَصبحتْ لَاحقًا أُمَّةَ مشاهدةٍ بعدَ إِلقاءِ “القنبلةِ التَّلفازيَّةِ”! عليْها. لذَا، فالقراءةُ فِي عمومِها بالنِّسبةِ إِليها لَا تستهويها، وإِنْ صارتْ ميَّالةً حديثًا لقراءةِ الرُّواياتِ (هذَا مَا دفعَ كثيرًا منَ النَّاشرينَ للتَّركيزِ علَى نشرِها لأَنَّها تفيضُ ربحًا)، ذلكَ لأَنَّها تسردُ حكايةً بلغةٍ عاديَّةٍ لَا تأَمُّلَ ولَا مخيَّلةً فِيها، وهيَ أُمَّةٌ ليسَ لهَا وقتٌ!!! لهذَا وتلكَ. لكنْ، وعلَى الرَّغمِ مِن هذَا، فإِنَّ للشِّعرِ الإِبداعيِّ قرَّاءَهُ وإِنْ بنسبةٍ أَقلّ، لأَنُّهُ يسعَى للارتقاءِ بلغةِ القبيلةِ، علَى حدِّ قولِ الشَّاعرِ المبدعِ أُوكتافيو باث.

إِنَّ الشِّعرَ لنْ ينتهِي أَو ينمحِي أَو يضمحلَّ؛ فهوَ تجربةٌ وحياةٌ وأَملٌ، وسيظلُّ الوعيُ الحاضرُ بقوَّةِ كتابتهِ، وجماليَّةِ صياغتهِ، ومغاليقهِ وانفتاحاتهِ، وتطوُّرهِ وانطلاقهِ، ومواكبتهِ للإِنسانِ مِن أَجلِ إِنسانيَّتهِ، لأَنَّهُ جرأَةُ البوحِ الممتدَّةِ، وجسارةُ الَّذي لَا يقالُ.

بعدَ أَنْ أَحببتُكَ-
لمْ أَجدْ مَا أُحبُّهُ مِن بعدُ!
تقولُ النَّشيدةُ النَّدَّاهةُ لشاعرِها الشَّاطرِ.

(محمَّد حِلمي الرِّيشة)

تعليقات فيسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *