الرئيسية / مواعيد ومتابعات / ندوة: الهويّة المغربيّة وقضايا العيش المشترك (1/2)

ندوة: الهويّة المغربيّة وقضايا العيش المشترك (1/2)

Labyadأدارها: د. عبد الحق لبيض (مراسل الآداب في المغرب).

المساهمون:

أحمد كافي: أستاذ جامعيّ، وفاعل مدنيّ. 

أحمد ويحمان: رئيس “المرصد المغربيّ لمناهضة التطبيع.”

جمال بندحمان: أستاذ جامعيّ وعضو المكتب التنفيذيّ لشبكة الديمقراطيين العرب.

الحسين أيت باحسين: عضو “الجمعيّة المغربيّة للتبادل الثقافيّ (أمازيغيّة).”

رشيد الإدريسي: أستاذ بجامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء. دكتوراه في مناهج النقد الحديث.

عبد الغني عارف: رئيس “مركز أجيال 21 للثقافة والمواطنة.”

أمين الكوهين: باحث في التاريخ.

عبد الحقّ لبيض: الهويّة، بحسب ابن سينا، هي “معرفةُ الذات بالذات.” والإقرار بمبدأ الهويّة إقرارٌ بارتباطاتها بالتاريخ والمجتمع؛ وهو ما يقودُنا إلى الإقرار بمبدأ التنوّع والتعدّديّة على اعتبار أنّ التاريخ دائمُ المدّ والجزر، وقائمٌ على الانصهار وإعادة البناء و”التهجين.”

مثّلتْ مسألةُ الهويّة جزءًا أساسًا من بنية الفكر السياسيّ المعاصر في العالم برمّته. وبدأتْ في عالمنا العربيّ منذ فجر بناء الدولة الوطنيّة، التي ورثتْ عن الدولة العثمانيّة العديدَ من ولاياتها، والتصق ذلك بتصوّر عناصر النقاش الوطنيّة والقوميّة والإسلاميّة والإنسانيّة لبناء الدولة الحديثة. لذلك ظلّت الهويّة مرتبطةً بمقوِّميْن أساسيْن في تشكّل ملامحها، الدين واللغة، باعتبارهما المحدِّديْن المركزيّيْن للهويّة العربيّة.

اليوم، نعيش انقلابًا في المفاهيم، أفضت إليه التحوّلاتُ العميقةُ في بنية الفكر الإنسانيّ، وذلك مع بروز الجيل الثالث من الحقوق الفرديّة والجماعيّة، واعتلاءِ مفاهيم كالعدالة والمساواة منصّة النقاش الكونيّ. وقد ترتّبتْ على ذلك إعادةُ رسم “الجغرافيا الهويّاتيّة” ضمن مقاربةٍ أشمل لمبدأ الديمقراطيّة وحقوق الإنسان. لذلك فإنّنا مدعوّون إلى مزاولة التفكير الجدّيّ في مسألة الهويّة المغربيّة، وإعادة التفكير في عناصر تشكّلها التاريخيّة، وتحسّسِ مَواطن التفاعل والتنافر والتعايش والتنابذ بينها؛ مشخّصين أسباب ذلك بعيدًا عن القوالب الإيديولوجيّة الجاهزة.

نقترح للمناقشة المحاورَ الآتية:

أوّلًا: تاريخيّة التفكير في الهويّة المغربيّة: أ) هل شكّلت الهويّة المغربيّة، على مدار تاريخ المغرب، سؤالًا إشكاليًّا، أمْ أنّ التفكير فيها مستحدثٌ بفعل التطوّرات السياسيّة والحقوقيّة الكونيّة، بدءًا من العقد الأخير من القرن العشرين؟ ب) هل الهويّة المغربيّة معطًى ثابت، أمْ عنصر متحوّل خاضع لشروط التغيير التي تحكم سننَ الوجود الإنسانيّ؟ ج) كيف تعامل المغاربة طوال تاريخهم مع تجلّيات الهويّة المغربيّة؟ د) إذا كانت الهويّة المغربيّة عبر تاريخها العميق شكلًا متعدّدًا، فما هو اللاحم الأساس لعناصر التعدّد؟ ه) كيف يجري التفكير اليوم في مسألة التعدّد في الهويّة المغربيّة؟

ثانيًا: الهويّة وضرورات البناء الديمقراطيّ: أ) مَن يَحقّ له اليوم إطلاق مشروع إعادة التفكير في تشكّل ملامح الهويّة المغربيّة: الدولة أمِ المجتمع؟ وما حدود كلّ طرف؟ ب) هل يمكن التفكير في انتقال ديمقراطيّ حقيقيّ في ظلّ احترابٍ هويّاتيّ؟ ج) ما هو موقعُ الهويّة المغربيّة في ضوء النقاش حول المعاهدات الدوليّة الخاصة بالحريّة الجنسيّة وحريّة المعتقَد؟ د) هل البناء الديمقراطيّ أسبقُ على الهويّة، أم العكس؟

ثالثًا: مستقبل النقاش حول الهويّة في المغرب في ضوء المتغيّرات الإقليميّة والدوليّة: أ) هل سيؤثّر التحوّلُ الإقليميّ والدوليّ في مسار النقاش العموميّ حول الهويّة المغربيّة؟ ب) هل يمكن أن تؤثّر الظروفُ العصيبة التي تمرّ بها بعضُ الدول العربيّة في طبيعة النقاش الهوياتيّ في المغرب؟ ج) مَن يَضمن، في مغرب اليوم، نجاحَ اللحمة المجتمعيّة في أفق الانفتاح على الأسئلة المصيريّة لمسألة الهويّة؟

Morocco

عبد الغني عارف: انطلقت الأرضيّةُ التي قدّمتم بها لهذه الندوة من سؤالٍ أساس: هل لسؤال الهويّة راهنيّةٌ اليوم؟ من جانبي، أرى أنّ لموضوع الهويّة راهنيّتَه الكبرى في ساحة النقاش. وسأحاور هذه الأرضيّة انطلاقًا من نقطتين:

Abdel Ghani Aref_0أوّلًا، اتّفق مع ما جاء في موضوع “الجغرافيا الهويّاتيّة،” التي أعتقد أنّها تبدّلتْ بفعل عوامل متداخلة تجعل، اليوم، من مُعطى “الهويّة” أرضيّةً تُخترق بقوّةٍ، إلى حدٍّ يجعلنا نتساءل عن إمكانيّة الحديث عن هويّةٍ قائمةٍ بذاتها. ثانيًا: النقطة التي أثارت انتباهي في الأرضيّة هي التساؤلُ ما إذا كان حديثنا عن الهويّة اليوم تعبيرًا عن أزمة نعيشها في واقعنا، أم أنّ الأمر لا يعدو أن يكون تعبيرًا عن وعيٍ نخبويّ بضرورة الخروج من نفق هذه الأزمة المفترَضة؟

أختتم هذا التدخّل الأوّليّ لأشير إلى أنّ اختيارَ الموضوع كان شاسعًا جدًّا، إذ أعتقد أنّ كلّ مكوِّن من مكوّنات هذا العنوان يحتاج إلى تأمّل شامل ومستقلّ: “الهويّة” بجميع ما نتطارحه من إشكالات ومقاربات؛ و”العيش المشترك” في أبعاده السياسيّة والاجتماعيّة والفكريّة؛ و”مغرب اليوم” وما نعنيه بهذه العبارة (أهو المغرب السياسيّ، أم الاجتماعيّ، أم الحقوقيّ؟ مغرب ما بعد الاستقلال، أمْ مغرب اللحظة التي نعيشها؟)

جمال بندحمان: انسجامًا مع موضوع “تاريخية التفكير في الهويّة المغربيّة،” أطرح نقطًا أساسيّة أعتبرُها توطئةً للنقاش. أوّلًا: عندما نعتبر التاريخ تاريخًا محدّدًا ومعيَّنًا، فإنّنا نصادر النقاش لأنّنا يمكننا أن نعيد في أيّة لحظةٍ قراءةَ هذا التاريخ استنادًا إلى مستجدّاتٍ ووثائقَ موجّهة. ثانيًا: يمكن الحديثُ عن الهويّة من خلال صورتين: الأولى تعتبر الهويّة إطارًا مغلقًا ونهائيًّا ومحدَّد المعالم؛ أمّا الثانية فتعتبرها عمليّةً مستمرّةً من التشييد والبناء، وبالتالي يحقّ لأيّ مجتمع أن يعيد بناءَ مكوّنات هذه الهويّة وفق متطلّباتٍ مستجدّة.

Ben Dehmanلكنْ، هل الحديث عن الهويّة اليوم نابعٌ من قناعة داخليّة فقط؟ ففي تاريخ المغرب يمكن أن نقف عند محطّتين قريبتيْن أساسيّتيْن: 1) الأولى أثناء مواجهة الحركة الوطنيّة للمستعمِر، حيث كان هناك وعيٌ بشكل الهويّة حتّى من دون أن تسمّيه؛ ودليلُنا إشارةُ الزعيم علّال الفاسي إلى “الإنسيّة المغربيّة.” وهذا المنظور كان يشترك فيه الجميع لأنّ الخصم كان خارجيًّا ومهدِّدًا لمكوّنات الهويّة المغربيّة. أسئلة “الهويّة” لم  تكن يومها نابعةً من اهتمامات ذاتيّة بقدرِ ما كانت استجابةً لحسّ المقاومة في وجه “الخارج” الذي يسعى إلى تفكيك اللحمة الوطنيّة. ولم يكن علّال الفاسي الممثّل الأوحد لهذا الاتّجاه، بل تقاطع معه الكثيرُ من المثقّفين والروّاد، كعبد الله كنون والمختار السوسي. 2) المحطّة الثانية تمثّلتْ في وجود وعي ثقافيّ لدى نخبةٍ معيّنةٍ في إطار الحركات الأمازيغيّة. وهذا التحوّل، الذي سيطر في تسعينيّات القرن الماضي، جاء مواكبًا لبروز المسألة الثقافيّة عالميًّا، خصوصًا بعد نشر كتاب صامويل هنتنغتون، صِدام الحضارات؛ إضافةً إلى إصدار الأمم المتّحدة وثائقَ قاربت الحقوقَ الثقافيّة واللغويّة، مثل: الإعلان العالميّ للحقوق الثقافيّة(برشلونة، 1996)، وإعلان اليونسكو حول التعدّد الثقافيّ (2001)، واتّفاقيّة باريس حول تنوّع التعابير الثقافيّة والنهوض بها (2005)؛ فضلًا عن تعيين خبيرة أمميّة مستقلّة مهتمّة بموضوع الحقوق الثقافيّة كونيًّا (2009). ومعنى ذلك أنّ هناك سياقًا دوليًّا معيّنًا علينا أن نعيَه بشدّة حتّى  تكون الأجوبة التي سنقدّمها منطلقةً من طبيعة أنّ الأسئلة المطروحةَ داخليًّا هي أسئلةٌ مفروضةٌ من سياقات خارجيّة…


لبيض ( مقاطعًا): لكنّ الحركة الأمازيغية في المغرب بدأت منذ ستينيّات القرن الماضي…

بن دحمان: لم أقل إنّها وليدةُ التسعينيّات، بل قلت إنّها عرفتْ تحوّلًا عميقًا في هذه الفترة التاريخيّة  ذات الدلالات العميقة في مستوى تطوّر مبادئ الحقوق الثقافيّة واللغويّة والإثنيّة. لا يمكننا أن نبرّئ الحركات الأمازيغيّة من التأثّر المباشر بما جاءت به الموجةُ الثالثةُ من الحقوق المدنيّة والثقافيّة في العالم.

لبيض: لكنّ الحركات الأمازيغيّة كانت سبّاقةً إلى المناداة ببعض عناصر التحوّل الذي تشير إليه هو نفسه. وما علينا إلّا العودة إلى أدبيّات هذه الحركات ومقرّراتها التنظيميّة وأنشطتها لنقف على الصورة العامّة. وما دمنا في رحاب التاريخ، أتوجّه إلى الأستاذ أمين الكوهن باعتباره متخصّصًا في مجال التاريخ، وتحديدًا تاريخ الطائفة اليهوديّة المغربيّة.

أمين الكوهن: هذا الموضوع مهمّ جدًّا، ويملك راهنيّته، غير أنّه ليس مطروحًا علينا ــــ نحن المغاربة ــــ بالحدّة التي يُطرح بها في المشرق العربيّ، حيث باتت الهويّةُ من المعضلات التي تفكّك بعضَ المجتمعات العربيّة حتّى وصلتْ إلى القتل على الهويّة.

السؤال الذي أنطلقُ منه هو: هل يمكن الحديثُ عن الهويّة هكذا في زمن العولمة؟ إنّنا نعيش في زمنٍ يتداخل فيه المحلّيُّ والكونيّ، ولم تعد الحدودُ واضحةً بين الخصوصيّة الثقافيّة والمواطنة المعولمة. في هذا الزمن لا بدّ من الحديث عن الهويّة بشكلٍ ينسجم ومتغيّراتِ العصر، ومتطلّباتِ العيش المشترك داخل الكوكب الأرضيّ.

Kohenوإذ أحدّثكم عن الهويّة وقضايا العيش المشترك في المغرب، أتذكّر دراسةً قدّمتْها باحثةٌ سوسيولوجيّة سنة 1960، بُعيد استقلال المغرب، عن الطائفة اليهوديّة، وفيها حاولَت استفتاءَ بعض أفرادها عن منظورهم إلى استقلال المغرب. ما فاجأني هو تصريحٌ لأحد المستفتين، إذ اعتبر لحظةَ استقلال المغرب هزيمةً شخصيّةً، متماهيًا في ذلك مع فرنسا الاستعماريّة! وتابع قائلًا إنّه حين كان المغاربةُ ينادون “يحيا الملك يسقط الاستعمار” كان يردّد معهم الشعارَ نفسَه لكي يَظهر أمام المسلمين أنّه مواطنٌ مغربيٌّ مثلهم! نلاحظ في الجماعة اليهوديّة نفسها اختلافاتٍ تحدّد كيفيّةَ انتماء كلّ فرد [يهوديّ]. وهذا الوضع لم يكن وليدَ المصادفة، وإنّما نتيجةً للعمل الذي قامت به الصهيونيّة من أجل خلق انشطار داخل الطائفة اليهوديّة، لفصلها عن انتمائها الوطنيّ، ومن ثمّ إعدادها لمرحلة “الترانسفير” (التي تمّت بعد سنوات قليلة من هذه الدراسة).

قضيّة أخرى تُثار أثناء مقاربة سؤال الهويّة، وهي درجةُ الوعي بالهويّة. هناك العديد من المدارس الحديثة التي تسهم في الإجابة عن هذا الموضوع، لكنّها تلتقي في نقطةٍ أساس: وهي أنّنا لا يمكن أن نقارب مسألة الهويّة إلّا في إطار التفاعل مع الآخر. وتاريخ المغرب مليء بالمحطّات التاريخيّة التي وعى فيها المغاربة هويّتَهم عندما التحموا بـ”الآخر” أو واجهوه، سواء كان الرومان أو الوندال أو البيزنطيين. غير أنّ الدراسات التاريخيّة تُجمع على أنّ هذا التعبير كان محدودًا في ما سمّي “موريطانيا” (المغرب الحاليّ)، وأكثرَ حضورًا في منطقة نوميديا (من وادي شلف في الجزائر إلى الشرق). إلّا أنّه في العام 122 هـ، مع ما سمّي “ثورةَ البربر،” وقعتْ قطيعةٌ بين دولة الخلافة في المشرق، والمغاربة البربر الذين واجهوا الخلافة و”تسلّطها.” وفي هذه الأثناء بزغت النزعةُ الهويّاتيّة عند المغاربة لِما لاقوْه من إذلالٍ من طرف الخلافة الأمويّة في المشرق.

وظلّ الوضع على هذه الشاكلة إلى أن جاءت الدولةُ الموحّديّة، التي حاولتْ أن تخلق للمغرب هويّةً خاصّةً به، انطلاقًا من تأويل خاصّ للهويّة. وهذا الوعي بالهويّة هو ما سيؤدّي بنا إلى ما وقع في أواسط القرن التاسع عشر من اصطدام مباشر بالأجنبيّ: بدءًا باحتلال الجزائر، ولجوء الأمير عبد القادر إلى المغرب، ووقوع معركة إيسلي التي انهزم فيها الجيشُ المغربيّ. وأمام تزايد حدّة هذا الاصطدام، ازدادت الرغبةُ في تحديد الهويّة الخاصّة والكيان المسمّى “المغرب” واستمراريّته في مواجهة الأطماع، منذ حكم الحسن الأوّل.

بعد هذه المرحلة ظهرتْ كتاباتٌ ناقشتْ موضوعَ الإصلاح وتجاوز مرحلة الهزيمة. فعلّال الفاسي كان يتحدّث عن “القوميّة المغربيّة،” ويربطها بأربعة عناصر: العرب، والبربر، واليهود، والسود. ويعتبر أنّ الهويّات الثلاث الأولى منصهرةٌ بشكل آليّ باعتبارها تنتمي إلى الفضاء المتوسّطيّ، بينما هويّةُ السود القادمين من جنوب الصحراء هويّةٌ خارجيّةٌ لكنّها ــــ نظرًا إلى طول المدّة ــــ أخذتْ هي كذلك في الانصهار في الهويّة المغربيّة الجامعة.

هذا الوعي سيأخذ وجهًا آخر بدءًا من ستينيّات القرن الماضي مع بروز تيّار جديد في التفكير من منطلقاتٍ وطنيّةٍ، أسّستْ له الحركاتُ الأمازيغيّة. وهذا الوعي سيظلّ يملأ الساحةَ الثقافيّةَ المطالبةَ بالمساواة وبالحقوق الثقافيّة واللغويّة، إلى أن تمّ لها ذلك مع دستور 2011.

لكنّنا يجب ألّا نُسقطَ من نقاشنا دورَ الإسلاميّين المغاربة في التأثير في مسار تشكّل الهويّة الوطنية المغربيّة، والدفاع عن بعض مكوّناتها. كما ينبغي استحضارُ القاعدة المادّيّة والمصالح الاقتصاديّة لكلّ مجموعة من المجموعات على طول التجربة التاريخيّة للمغرب.

أحمد ويحمان: سأنطلق من عنوان الندوة لأقول إنّي لا أتّفق مع صياغته العامّة. فما معنى “العيش المشترك”؟ وهل العنوان يعكس الهمَّ الوطنيّ، همَّ الإنسان البسيط الذي يعيش على إيقاع همومه اليوميّة؟ بمعنًى آخر، أيُعتبر هذا السؤال نتيجةً لديناميّة ذاتيّة للتفاعلات والصراعات والمؤثّرات المتبادلة لتَدافُعِ مختلف الاستراتيجيّات والمصالح؟ أطرح أمامكم فرضيّةً لمقاربة إشكاليّة الندوة، وهي كالآتي: إنّ مسألة “الهويّة،” كما هي مطروحة اليوم، لا ترتبط بالواقع الاجتماعيّ الداخليّ وبديناميّته المختلفة، بل بالتطوّرات والحسابات الدوليّة للغرب الرأسماليّ الاستعماريّ، وبمصالح الشركات العملاقة العابرة للقارات (شركات صناعة الأسلحة، والشركات النفطية…). إنّ قضيّة الهويّة قضيّة مفتعلة، وتدخل ضمن دائرة “القضايا المزيّفة” (les faux problème) التي تُستخدم عادةً لحرف النقاش العموميّ عن مجراه الصحيح، الذي هو صراعٌ بين المستحوِذين على الثروة الوطنيّة وبين المحرومين من الاستفادة من خيرات هذه الثروة.

Wihmanإنّ ما يجري في المغرب، وفي غيره من الأقطار العربيّة، هو جزءٌ من برنامجٍ اعتمدتْه الإدارةُ الأمريكيّة منذ غزو العراق سنة 2003، لكنّ القرارَ فيه اتُّخذ منذ سنة 1983، وهي السنة التي عُرض فيها على الكونغرس الأميركيّ ونوقش وصودق عليه. وقد ذكر الأخ جمال صاحبَ نظريّة “صراع الحضارات،” لكنّ هذا ليس إلّا حلقةً من سلسلةٍ أسّس لها الصهيونيّ برنارد لويس الذي صار مستشارًا معتمدًا لبوش الأب والابن؛ فهو أستاذُ المحافظين الجدد، أمثال ديك تشيني ورامسفيلد وكيسنجر. ولويس هو صاحبُ فكرة “البديل للجيوستراتيجيّة الأميركيّة” بعد سقوط شاه إيران سنة 1979، ووصول الملالي إلى الحكم. فكان أن ظهرتْ عنده، بعد ذلك، نظريّةُ “الاحتواء المزدوج،” التي ستجد تعبيرَها الجليّ في منطوق كوندليزا رايس التي تحدّثتْ عن “الفوضى الخلّاقة.”

ما يجري اليوم من احتراب في مسألة الهويّة لا يمكن فهمُه في معزلٍ عن جذوره التاريخيّة. وهذه الجذور تعود إلى منشور ليوطي، الحاكمِ العسكريّ في المغرب آنذاك (1915)، الذي أرسله إلى مسؤولي المخابرات الفرنسيّة في كلّ التراب المغربيّ. والمتأمِّل لما جاء في هذا المنشور يكشف العلاقة التلازميّة بين ما ورد فيه، وما تريد جهاتٌ أمازيغيّةٌ الترويجَ له باعتباره مطلبًا حقوقيًّا وسياسيًّا “بريئًا.” فبعد احتلال الجزائر سنة 1930، وانهزامِ المغاربة في معركة إيسلي، وتوقيع اتفاقيّة مغنية سنة 1944، طرح الفرنسيّون، على لسان ريمون طوماسي، السؤالَ الآتي: كيف ندخل إلى المغرب بتكلفة أقلّ ممّا دفعناه في الجزائر؟

أحيل هنا على أطروحة جرمان عيّاش عن حرب الريف، إذ تحدّث في مقدّمتها عن النقاشات التي دارت داخل الجمعيّة الوطنيّة الفرنسيّة للإجابة عن السؤال: هل نعتمد على “المخزن” للفتك بالقبائل، أمْ نعتمد على القبائل لتصفية هذا النظام التقليديّ العتيق؟ أمّا السؤال عن “السبيل للدخول إلى المغرب،” فقد أجابت عنه جمعيّةُ الجغرافيين الفرنسيين التي كانت تُنظَّر للغزو والاستعمار، إذ أكّدتْ ضرورةَ الاعتماد على العِلم بدلًا من السلاح. ومن هنا بدأتْ فكرةُ إرسال البعثات الاستكشافيّة. إلى أن جاء دور شارل دو فوكو 1883، ومن بعده إدمون دوتي، الذي وصل إلى خلاصة حول مسألة الهويّة في المغرب، قال فيها: “الأحمق وحده مَن يحاول الاستثمار في التفريق بين البربر والعرب في المغرب.”

ومع ذلك، لم يتوقّف الفرنسيّون عن الاشتغال في موضوع الهويّة، وزرع التشرذم بين مكوّنات المجتمع المغربيّ من أجل التحكّم في مفاصله. وهذا ما سيكشف عنه منشورُ ليوطي المشار إليه آنفًا،  حين يخاطب ضبّاطَ المخابرات الفرنسيّة في المغرب قائلًا: “من الناحية اللغويّة يجب أن نطمح إلى المرور مباشرةً من اللغة البربريّة إلى اللغة الفرنسيّة. ومن أجل هذا، نحتاج إلى متخصّصين في البربريّة. ويجب على ضبّاطنا في المخابرات أن يَشْرعوا بعزمٍ في دراسة اللهجات البربريّة. كما يجب أيضًا إنشاءُ مدارس فرنسيّة ــــ بربريّة تُلقَّن فيها الفرنسيّةُ لأبناء البربر.”

ويضيف ليوطي: “أمّا من الناحية السياسيّة العاجلة، فإنّ هدفَ هذه المدارس يكمن في تدجين الأهالي، والإبقاء على بلاد المخزن، وعلى الاختلافات اللغويّة والدينيّة والاجتماعيّة الموجودة بين المتديّنة بالإسلام والمستعربة .”

بعد هذا المنشور مباشرةً، ستتأسّس ثانويّةُ طارق، وسيتأسّس دير تومليلين. وأن يأتي النقاش محتدًّا  اليوم حول الهويّة، أفلا يكون ذلك تطبيقًا لبنود هذا المخطّط اللعين؟

لبيض: تَصْعب مقاربةُ سؤال الهويّة من زاوية “المؤامرة على اللغة والثقافة” لأنّ المسألة الهويّاتيّة تشمل مجالاتٍ أخرى نحتاج إلى أن نتوقّف أمامها. ثمّ، ألأ يُسقط ما أثاره الأخ ويحمان كلَّ تفكير صحيح في مسألة الهويّة كديناميّة مجتمعيّة، وكمطلب مجتمعيّ لا يمكن المرورُ عليه مرور الكرام؟

رشيد الإدريسي: الغاية من مناقشة موضوع الهويّة هو التوضيح، وتقريبُ وجهات النظر، وإبرازُ مكامن الخطر التي ترتبط بهذا الموضوع، وذلك من منطلق الرغبة في العيش المشترك ــــ وهذا ما أشارت إليه أرضيّةُ الندوة.

بالنسبة إلى “تاريخيّة التفكير في الهويّة المغربيّة،” فإنّه، لفهمها، لا بدّ من إدراجها في إطارٍ أشمل، هو تاريخيّة التفكير في الهويّة ككلّ. وعندما نعود إلى دراسة جان كلود كوفمان، أحدِ السوسيولوجيين الفرنسيين، نراه يشير إلى أنّ قضيّة التفكير في الهويّة حديثة جدًّا، ويربطها بفترة زمنيّة محدَدة، ولا سيّما بعد الحرب العالميّة الثانية.

Idrissi_0بالنسبة إلى موضوع الهويّة كإشكاليّة، فإنني أعتقد أنّه لم تكن هناك ضرورةٌ لطرحه في مجتمعات كالمجتمع المغربيّ: فكلّ طرف ــــ كما يقول هذا السوسيولوجيّ ــــ يَعرف الطرفَ الآخر ويتعايش معه بشكلٍ اعتياديّ؛ فما إنْ يندمج في مجتمع حتى يكتسب مجموعةً من القيم والعادات والتقاليد بحيث يعيش هويّته بطريقة تلقائيّة. والمغربيّ لم يشذّ عن هذه القاعدة. لكنّ المحطّة الأساسيّة في تاريخ الهويّة المغربيّة ــــ وهنا أشاطر الصديق ويحمان الرأي ــــ هو حدث “الظهير البربريّ.”

إنّي أرى نوعًا من السكوت عن هذا الحدث الرهيب لأنّ البعض يعتقد أنّه إذا فتحنا هذا الملفَّ فسنسيء إلى الحركات الأمازيغيّة. وهذا، لعَمري، خطأ كبير؛ فالأمر لا يعدو أن يكون مجرّدَ تسمية شاعت آنذاك. ولم يكن “الظهير،” كما يظنّ البعض، قانونًا يهدف إلى إنصافِ مكوّنٍ من المغاربة، بل هدف إلى تفكيك النسيج المجتمعيّ المغربيّ حتّى يَسْهل التحكّمُ فيه وفي قيادته، وإثارة فتيل العرقيّة والإثنيّة بين أهله، بعدما صعب على الاستعمار إخمادُ نار المقاومة التي اجتاحته من كلّ حدبٍ وصوب. والذين يدافعون عن هذا الظهير المشؤوم يحتجّون بموافقة محمد الخامس عليه، والحال أنّ السلطان نفسه تراجع عن ذلك لما تبيّنتْ له مراميه.

لكنْ، هل الهويّة كيان ثابت وجامد؟ اتّفقت المداخلات حتى الآن على أنّ الهويّة دائمة الحركة والصيرورة والتفاعل مع متغيّرات الواقع. لكنّ تحوّلها لا يعني ميوعتَها وانفتاحَها على اللامتناهي. وكان الفيلسوف الفرنسيّ إدغار موران قد طرح بعض التصوّرات في كتابه المنهج (la méthode)، وبخاصّة في جزئه الخامس، حين اعتبر الهويّة شيئًا ثابتًا ومتغيّرًا في الآن نفسه. وهذا ما يجب أن نتمسّك به. فموران يقول إنّ الإنسان تموت فيه مئاتُ الخلايا، ولكنْ تولد فيه خلايا أخرى، فهل أصبح كائنًا جديدا؟ كلّا بالطبع.

مثلُ هذه المعطيات قد يدفعنا إلى بناء تصوّرات متوازنة حول الهويّة: تصوّرات تؤْمن بأنّ ثمّة “ثابتًا” (constante)، كما يقول الآن بورديو، وثمّة متغيّرات؛ لكنّ الأخيرة لا تحدث بجرّة قلم، بل تخضع لصيرورةٍ وإكراهاتٍ وتحدّيات.

وأختم الآن بأربع ضرورات في طرح سؤال الهويّة.

الضرورة الأولى تتمثّل في أنّ طرح موضوع الهويّة وتبادل الآراء فيها أمر محمود في ذاته.

الضرورة الثانية تكمن في عدم طرح هذا الموضوع من خلال مفاهيم قد تشوّه ذواتنا. خذوا، مثلًا،  مفهوم “الشعب الأصليّ.” فالكثير ممّن يتبنّى هذا المفهوم يقول إنّ الشعب الأمازيغيّ شعبٌ أصليّ؛ وهذا ليس بكلام علميّ، لأنّك بذلك تتحدّث عمّن وُجد أوّلًا على هذه الأرض ومَن وُجد ثانيًا، في حين أنّ الحفريّات أكّدتْ أنّ شعوبًا عديدةً عمرتْ هذه الأرض، وكانت موجودةً فيها قبل الأمازيغ. وأعتقد جازمًا أنّ البحث في الأصل هو بحثٌ في الوهم. والأهمُّ لمستقبل هذه الأمة هو الانسجام والتعايش.

أمّا الضرورة الثالثة فتكمن في معرفة أنّ الهويّة وتعريفها وتأويلها في المغرب تخضع للمصالح، وفي أحيان كثيرة لمصالح ضيّقة، في حين أنّ الهويّة يجب أن تراعي المصالحَ العامّة. فإذا كان لديّ تصوّر شخصيّ قد يكون لي فيه مصلحة لكنّه يعود بالضرر على عدد واسع من المغاربة، فأنا مطالَبٌ بأن أتراجع عنه من منطلق المسؤوليّة الوطنيّة.

الضرورة الرابعة تتمثّل في أنّ الهويّة تُعتبر منْفذًا قد تتسلّل من خلاله أطرافٌ مختلفةٌ إلى بلدٍ ما. وأذكّر هنا بـ وثائق ويكيليكس التي تسرّبتْ مؤخّرًا وتضمّنت الكثيرَ ممّا قام به بعضُ النشطاء الأمازيغ في المغرب. وعندها ستتساءل: كيف أمكنَ شخصًا يَعتبر نفسَه مغربيًّا أن يجلس إلى أجنبيّ ويطالبَه بأن يقدّم له المساعدة على الاستقواء على مغاربة آخرين؟! الأمازيغيّة قضيّة حقّ أريد بها باطل؛ بمعنى أنّها تُتّخذ من طرف بعض المشبوهين مبرّرًا لتمرير مجموعة من الأجندات والتصوّرات.

الهويّة ليست تصوّرًا مجرّدًا، بل ذات علاقة بالتاريخ. وستلاحظون أنّه في السبع عشرة سنة الماضية، صارت مسألة التاريخ تُطرح بقوّة، لكنّها لا تطرح في بُعدها الأكاديميّ الذي يتحلّى بصفات الدقّة والتحليل والمراجعة النابهة، وإنّما تُطرح من منطلقٍ عرقيّ. لذلك أجدُني مضطرًّا إلى الختمِ بنغمة متشائمة، فأقول: إنّ الهويّة المغربيّة، إذا لم يُعَد النظرُ في الكثير من أشيائها، وفي الكثير ممّا يتمّ تبنّيه في شأنها، فنحن سائرون نحو التمزّق. وهذا ما أشار إليه السيّد حسن أوريد، الناطقُ الرسميّ باسم القصر الملكيّ سابقًا، الذي تحدّث عن تصوّر متشظٍّ للهويّة المغربيّة، وقال إنّ هذا التصوّر، ، لأنّه قد ينعكس سلبًا على المغرب مستقبلًا.

لبيض: كلّ نقاش داخل دولنا العربيّة، باعتبار الوضعيّة التاريخيّة والحضاريّة التي نعيشها، عُرضةٌ لتدخّل الأجنبيّ. وقد ذُكر سابقًا أنّ مسألة الهويّة تُطرح في إطار لعبة المصالح الداخليّة؛ لكنّني أرى أنّ ذلك يشمل المصالحَ الأمميّة كذلك. وللتمثيل لا الحصر، نستشهد بحجم القرارات والمواثيق الدوليّة التي تكاد تحدّد لنا الأفقَ الهويّاتيّ الذي يجب علينا الاشتغالُ ضمنه، وقد تضع لنا ملامحَه في إطار مصالح إقليميّة ودوليّة. أتوجّه إلى السيّد الحسين أيتب احسين ليتحدّثَ باسم أعرق جمعيّة أمازيغيّة في المغرب، “الجمعية المغربيّة للتبادل الثقافيّ.”

الحسين أيت باحسين: أعتقد أنّ التوطئة التي قدّمها الأستاذ عارف تمثّل أساسًا مهمًّا لإدارة النقاش. وينبغي أن نلاحظ أنّ الهويّة ــــ كما أشار إلى ذلك بعض الزملاء ـــ ديناميّة متحرّكة، لا تستجيب لمنطق الثبات. وهذه الديناميّة ليست موقوفةً على الشقّ الوطنيّ فحسب، بل تمتدّ من شمال إفريقيا إلى دول جنوب الصحراء، ومنها إلى العالم برمّته. فلا يمكن تصوّرُ إعادة التفكير في شكل الهويّة ومقوِّماتها وطنيًّا إلّا ضمن هذه التوجّهات الكبرى التي ينتظم العالمُ كلُّه داخلها ويحتكم إلى اشتراطاتها.

ويجب ألّا ننسى كذلك أنّ مفهوم الهويّة كان دومًا يُناقش من خلال جهازٍ مفاهيميّ يَحْكم اللحظة التاريخيّة. فمثلًا، في أربعينيّات القرن الماضي، كانت مناقشة الهويّة تتمّ من خلال المفهوم المهيمِن ساعتها، وهو مفهوم “الشخصيّة.” وأحيلكم على كتاب Le fondement culturel de la personnalité، لصاحبه رالف لَنْتون، وفيه ميّز بين الشخصيّة الأساسيّة للمواطن الأميركيّ التي يتساوى فيها كلُّ الأمريكيين، وبين الشخصيّة الوظيفيّة النقابيّة التي تجمعُ بعضَ العناصر من تلك الشخصيّة الأساسيّة، للدفاع عن مصالحها الفئويّة بعيدًا عن هواجس الشخصيّة الأساسيّة. ويعطي، مثالًا على ذلك، تجمّعَ سائقي الشاحنات، وهي نقابة قويّة في الولايات المتّحدة، حيث ينتفي التمييزُ بين الأسود والأبيض، وبين الإفريقيّ والآسيويّ والأميركيّ الجنوبيّ، لأنّ الوظيفة النقابيّة هي التي تجمعهم.

وهنا أستحضر ــــ في إطار ديناميّة الهويّة ــــ نوعين من الهويّة. فهناك الهويّة المُعطاة، مثل ما كنّا نسمعه عن الأمازيغ، في الستّينيّات والسبعينيّات من القرن الفائت، من نعوت وأوصاف قدحيّة. وهناك الهويّة المبنيّة، أي التي يشيّدها المواطنون المنخرطون في مشروع العيش المشترك، وفي إطار  الدولة الحديثة بكلّ مقوِّماتها. ونحن اخترنا اليوم الانخراطَ في مشروع الهويّة المبنيّة، لأنّها هويّة تُبنى في إطار السلم الاجتماعيّ والأمن الثقافيّ.

كان اليسار، في بداية السبعينيّات، يؤكّد في نقاشاته معنا، كحركات أمازيغيّة، أنّ حلَّ مشكلة الأمازيغيّة لا يمكن أن يتمّ وسط الصراع السياسيّ مع النظام. لذلك كان يطلب إلينا إرجاءَ المطالبة بالحقوق اللغويّة والثقافيّة للأمازيغ المغاربة إلى حين حلّ المشاكل السياسيّة والاقتصاديّة. وها نحن نرى اليوم أنّ المشاكل الثقافيّة هي وراء الكثير من الأزمات التي تعيشها العديدُ من الدول!

اسمحوا لي بأن أعقّب على ما جاء في مداخلة أويحمان لأقول إنّ الأمازيع قاوموا المشروعَ الاستعماريّ الفرنسيّ في الريف والأطلس وكلّ الثغور المغربيّة. لم يكن هناك أمازيغيّ واحد يرضى بأن يُحتلّ وطنُه وتُسلب أرضُه. وحين تُطرح قضيّةُ “الظهير البربريّ” من جديد، وفي كلّ لقاء، فإنّ ذلك يعني أنّ هذا الظهير صناعة أمازيغيّة؛ والحال أنّ الأمازيغ هم أوّلُ مَن عارض هذا الظهير وتبرّأوا منه! والحقّ أنّني لا أدري معنى الإشارة المتعمّدة إلى “الظهير البربريّ” لحظةَ وصولنا إلى مرحلة بناء الهويّة المبنيّة. لكنْ، عندما نستعيد التفاصيل التي جاءت في بعض المداخلات، فإنّنا نجدها تشكّل جروحًا تاريخيّةً لأناسٍ هم اليوم في أمسّ الحاجة إلى استعادة التوازن للشخصيّة الوطنيّة؛ فقد عانوا التهميشَ أكثرَ من غيرهم من المغاربة، وأحسّوا من الضيْم والقهر ما لم يحسّه غيرُهم من أبناء وطنهم.

لبيض: هل يمكن أن تظلّ هذه “الهويّة المبنيّة” مفتوحةً على اللانهائيّ؟ كلُّ هويّة لا بدّ من أن تكون لها قاعدةٌ أساسٌ، تنصهر داخلها كلُّ المتغيّرات. فرنسا، مثلًا، دولة متعدّدة الإثنيّات والعرقيّات، لكنّها ذاتُ هويّة واضحة المعالم والأشكال، والكلُّ مضطرّ إلى الانصهار داخلها. ألا تروْن أنّه من شأن هذا الانفتاح الملتبس أن يجعل الهويّة المغربيّة عرضةً للتشظّي وعدم الاستقرار؟ ثمّ ماذا تعنون بـ “جروح التاريخ”؟ أهي جروحُ التاريخ المشترك بين كلّ المغاربة،أمْ جروحُ فئةٍ معيّنة؟

أيت باحسين: الهويّة المعطاة هي الهويّة التي يُلصقها بنا الغيرُ، وطنيًّا أو خارجيًّا. وهي عادةً ما تكون مثقلةً بالجراح. أمّا الهويّة المبنيّة فهي التي يُلجأ فيها إلى القوانين المتّفق عليها دستوريًّا، ويُعمل على تفعيل مقتضياتها على أرض الواقع. آليّاتُ بناء الهويّة المبنيّة هي وحدها التي تستطيع أن تقدّم لك، في نظري، علاماتِ التميّز باعتبارك مغربيًّا حداثيًّا، وتجعلك ــــ في الوقت نفسه ــــ تشترك مع غيرك في العديد من الخصائص الإنسانيّة.

لبيض: المكوِّنات غير الآليّات. الآليّات أداةٌ لتدبير قضايا التعدّد والاختلاف داخل هويّةٍ ما. أمّا المكوّنات فهي الأصل المشكِّل للهويّة، وقاعدة بنائها الأساسيّة. هذه الخصائص القاعديّة للهويّة هي التي نودّ أن تعرّفها لنا.

أيت باحسين: لدينا العديد من القيم المتّفق عليها، مثل المساواة والكرامة والعدالة. أمّا بالنسبة إلى جروح التاريخ، فأنا أعني بها مجموعةً من النعوت كان يُتّصف بها الإنسانُ الأمازيغيّ البسيط الذي يشتغل بقّالًا أو حِرفيًّا أو مهنيًّا في المناطق الحضريّة الكبرى كالدار البيضاء والرباط وفاس، وصارت بفعل تكرارها “حقائقَ” مزعومةً ملتصقةً بالشخصيّة الأمازيغيّة.

الإدريسيّ: “الظهير البربريّ” واقعة لم يصنعها الخيال. وعندما نشير إليه في سياق كلامنا، فلا يعني  ذلك أنّنا نريد أن نقدحَ في الإخوة الأمازيغ الذين هم مغاربةٌ أقحاح، وإنّما نريد الإشارةَ فقط إلى حجم المؤامرة التي كانت تُحاك، وما تزال، ضدّ المغرب ووحدة نسيجه المجتمعيّ. فالبعض يريد أن يلج إلى المغرب مرّةً أخرى عبر بوابة الإثنيّة والهويّة واللغة. تحدثتم كذلك، أخي الحسين، عن جراح التاريخ، وقد أساندك في هذه النقطة…

أيت باحسين (مقاطعًا): آه! “قد” تساندني!! أليس غريبًا مثلُ هذا التعبير في زمن المطالبة بالعيش  المشترك وبالمصالحة مع التاريخ؟!

الإدريسيّ: أقول “قد أساندكَ” لأنّ ما قَصَرْتَه من جراحٍ على الأمازيغ كان يجب أن تعمِّمَه على معظم أفراد الشعب المغربيّ، الذين عاشوا ويلاتِ زمن الرصاص والخوف والازدراء والتخويف وقمع الحريّات والتهميش. ألست تدري أنّ المواطن البدويّ البسيط الذي يسكن المناطقَ المعرّبة(1) هو كذلك  لا يفهم المساطر ولا القوانين في المحاكم، ويُحكم عليه بالإعدام وهو لا يعلم لماذا؟ إنّ واقع التهميش والقمع يشترك فيه معظمُ المغاربة، لا الناطقون بالأمازيغيّة وحدهم.

ثمّ إذا كان همّ الحركة الأمازيغيّة أن يندمج المواطنُ الأمازيغيّ في وطنه ومؤسّساته، فلماذا اختار حرفَ تيفناغ الغريب الذي لا يفهمه أحد، بمن فيهم الأمازيغُ أنفسُهم؟ ومَن سيَفهم غدًا اللغة المعيَّرة والمستخرَجة من اللهجات الأمازيغيّة الثلاث؟ إنّ الذي تَحَكَّم في اختياركم، كحركات أمازيغيّة، لهذا الحرف هو الموقف الإيديولوجيّ الرافض لكلِّ ما هو عربيّ. وإلّا لماذا رُفضتْ كتابةُ حرف تيفناغ من اليمين إلى اليسار؟

أيت باحسين: الواضح، أخ رشيد، أنّك لستَ مواكبًا جيّدًا لما وقع في بدايات نقاش هذا الموضوع. فكفاك تلفيقًا لأحداثٍ لم تقع إلّا في خيالاتك.

الإدريسيّ: أنتَ تصادر حقًّا امتلكتُه من خلال المتابعة الحثيثة لكلِّ ما جرى من أحداث. فقد واكبتُ اختيار حرف تيفناغ من بداياته الأولى؛ بل كنتُ مقيمًا في الفندق الذي جرت فيه تلك المباحثات. والعديد من الإخوة في الحركات الأمازيغيّة، ومنها جمعيّتُكم المحترمة، تواصلوا معي في تلك الأثناء، وجرت بيننا نقاشات عديدة في الموضوع، ربّما لم تكن على علمٍ بها. ودعني أسالك في الختام: لماذا تصرّون، أنتم الأمازيغ، على الاحتفال بسَنَتكم الخاصّة؟ لماذا هذا الجنوح إلى التميّز والادّعاء أنّها سَنةٌ أمازيغيّة، علمًا أنّ مناطق عديدة في المغرب، مثل مزاب وعبدة ودكالة والشاوية، تحتفل بهذه السنة الفلّاحيّة التي تحتفلون بها، لكنْ بطريقةٍ تجمع كلَّ المغاربة؟

أيت باحسين: لقد دُعيتُ من طرف الأخ لبيض، وعبره من طرف مجلة الآداب مشكورةً، لأجل  مناقشة موضوعٍ محدّد، هو “الهويّة وقضايا العيش المشترك.” ولا أدري لماذا هذا التحليقُ في سماء موضوعاتٍ لا تفيد الهدفَ من لقائنا اليوم. لكنّي لا أرى بأسًا في أن أجيبك على بعض ما جاء في مداخلتك.

بالنسبة إلى السنة الأمازيغيّة فقد سبق أن كتبتُ عنها أكثر من تسع مقالات، آخرها هذا الأسبوع. وأنا أحيلك عليها لتدرك المغرى من الاحتفال.

أما بالنسبة إلى الجِراح، أخي رشيد، فإنّ من بينها ما تفضّلتَ به في مداخلتكَ من تعميم. والتعميم، كما يقول الفقهاء، بليّة. فأنت تعمّم ما قاله أحدُ أعضاء الحركة الأمازيغيّة وتُسقطه بتعسّفٍ على الحركات الأمازيغيّة، وتعتبره الموقفَ الرسميّ لهذه الحركات. وما نسمعه اليوم من إلصاق تهمة “التطبيع مع الكيان الصهيونيّ” بالأمازيغ أعتبرُه من الجراح الكبيرة، التي تصل إلى حدّ التخوين. وهذا يؤكّد لنا أنّ البعض لم يستوعبْ شروطَ المرحلة، التي تَفرض علينا الانتقال من الهويّة المعطاة إلى الهويّة المبنيّة.

أمّا عمليّة المعيرة التي تحدّثتَ عنها، أخي رشيد، فمردودٌ عليها بحكم أنّ كلّ اللغات الحيّة كانت قد مرّت بها، ومنها العربيّة. فليست هناك لغةٌ في العالم لم تمرّ من مرحلة التهيئة ورعاية تحوّلها من الطابع الشفهيّ إلى الطابع المكتوب. وهذا أعتبره جزءًا من الهويّة المبنيّة.

لبيض: الهويّة المغربيّة، عبر تاريخها الطويل، كانت هويّة متعدّدة ومركّبة. ولا شكّ في أنّ وراء تماسكها لاحمًا ما، يتمثّل لدى البعض في الإسلام. فهل ما يزال الإسلام قادرًا على أداء هذا الدور مع التحوّلات التي يشهدها المغربُ ممثّلة، بخاصةٍ، في نزوع أفراد، نختلف في عددهم لا في وجودهم، بدأوا يختارون دياناتٍ أخرى غير الإسلام؟

أحمد كافي: من الضروريّ استحضارُ تدخّل الغرب بشكلٍ سافر في تفكيرنا في هويّتنا؛ وهذا ما نجده  ثابتًا في مجموعة من الشهادات والوثائق لسفاراتٍ داخل بلداننا تعمل على حماية أفرادٍ معيّنين، وعلى تشجيعهم، وتطلب منهم أن يقوموا بأدوار معيّنة تخدم الأجندةَ الإمبرياليّة والمصالحَ الغربيّة. وهذه الوضعيّة هي، في الأصل، امتداد لوضعيّة “المحميّين” في عهد الاستعمار.

Kafiالغاية من وجودنا اليوم، في هذه القاعة، هو الدفعُ بنا نحو التفكير في موضوع الهويّة بشيء من التجرّد، وبنوع من الحريّة التامّة، بعيدًا عن هواجس الإيديولوجيا أو التخوين. فمن الواجب مقاربةُ موضوع الهويّة كما نراه نحن، لا كما يراه غيرُنا من ذوي المطامع والمصالح. فالغرب، أيّها الإخوة، ليس مؤتمَنًا على الهويّات، وهو الذي أباد هويّاتٍ عديدة، ومحقَ لغاتٍ متنوّعة، بعنف وبشراسة لم تصل إليهما أنظمتُنا المستبدّة نفسُها.

موضوع الهويّة شائك ومركّب. إذ يمكننا توظيفه في إطار البناء والإعمار، أو في إطار تَغْلب عليه الأنانيّة والإقصاءُ والإلغاء. وحين توظَّف هويّتُنا في منحى التصفية مع الكفاءات والرموز الوطنيّة، فهنا تكمن المشكلة. فلا أحد يجادل في أنّ الأمازيغيّة مكوّنٌ أساسٌ من مكوّناتنا الوطنيّة. وإذا كانت هناك نُكتٌ حول الأمازيغيّ، فإنّ ثمّة مثيلاتٍ لها عن العروبيّ والفاسيّ والصحراويّ وأصحابِ البشرة السمراء، الخ. إنّها ديناميّةُ مجتمعٍ يحاول أن ينفّس عن نفسه بالسخريّة غير المقصودة في أبعادها الحقيقيّة العرقيّة أو الإثنيّة.

الهويّة، كذلك، أداةٌ نجدها في أبسط أمور حيواتنا. فنحن مثلًا في إطار اجتماعاتنا الحزبيّة، التي تؤطَّر داخل المشترَك الإيديولوجيّ الواحد، مختلفون في شكل اللباس: فالشماليّ متمسّكٌ بلباسه، والبدويّ متشبّثٌ بتقاليده في اللباس، والصحراويّ كذلك… لكنْ، أثناء الاجتماعات، لا أحد يبالي بشكل هويّته الخارجيّ، بقدر ما ننخرط في مناقشة الهموم والقضايا نفسها. هكذا اعتاد المغاربة مقاربة هويّتهم الغنيّة والمتعدّدة، المتمثّلة في الأعراف والتقاليد والأطعمة والألبسة وطرق الاحتفال والحزن، من دون أن يدخلوا في النقاش الفكريّ الإيديولوجيّ لمفهوم الهويّة، الذي قد لا يستوعبه بعضُهم أصلًا.

أمّا عن حضور الدين في تشكيل الهويّة، فهذا أمر لا فرار منه. انظروا إلى الدول الغربيّة التي تدّعي أنّها لائكيّة (laique) وديمقراطيّة، وكيف تصرّ على الاحتفال بعيد ميلاد السيّد المسيح. وعندما نتحدّث عن “الصليب الأحمر،” فإنّنا نتحدّث عن رموزٍ دينيّة، لا عن رموز فكريّة أو طبّيّة. الدين، إذن، حاضرٌ دومًا في أيّة هويّة. وأعتبر أنّ الهويّة المغربيّة ماتزال في حاجة إلى هذا اللاحم ليمنعنا من التفجّر من الداخل؛ وهذا ما أسمّيه “الحوض المشترك.”

تعليقات فيسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *