الرئيسية / دراسات / هل علم الطبيعة عدو للدين؟

هل علم الطبيعة عدو للدين؟

هل علم الطبيعة عدو للدين؟*

غيرهارد شتاجون

ترجمه من اللغة الألمانية

 رضوان ضاوي

 

I.تقديم:

       يقول الباحث غيرهارد شتاغون في كتابه: “إذا كان الله خيّراً، فلم يوجد الشرّ إذاً؟ أسئلة في الدين”، بأن الدين يقدم أجوبة عن أسئلة الحياة، وكل تفكير ديني، أي الايمان بشكل عام، معني بهذه الأسئلة التي طرحها الباحث في كتابه. ويستهدف الكاتب القارئ المراهق(ابتداء من سن الرابعة عشر) والقارئ البالغ. وقد طور شتاغون أسئلته عن الدين في كتابه، فانتقل من السؤال المجرد”ما هو الدين؟” إلى السؤال الواقعي”ما هو موضوع عيد الفصح؟”.

        1614071_1426663730920930_4699432878177069023_oويقول الكاتب إن الأفكار الواردة في الكتاب تعبر عن اهتمامه النابع من القلب بالدين. فالدين مهم من أجل التعايش السلمي بين البشرية، شريطة أن يكون هذا الدين متنوراً وبعيدا عن التعصب والتشدد: “اذاً ما هو الدين؟ الجواب هو: إنه احساس كبير، من المرجح أنه الأكبر، الذي يمكن أن يملكه الانسان. إن الدين هو صدى الكون في ذاته”.(ص14)

        يطرح الكاتب ستة وعشرين سؤالاً في موضوع الله والدين، ويناقشها ويجيب عنها، وهي أسئلة من قبيل: لماذا يوجد الدين؟ ما جدوى الدين؟ هل الله هو من خلق العالم؟ هل توجد حياة بعد الموت؟ ما هو الفرق بين الايمان الحقيقي والخرافة؟. وقد طرح الكاتب هذه الأسئلة التي توافق الاهتمامات الراهنة بها، وتوصل الكاتب الى أمور جوهرية مشتركة بين كل الاديان، بالرغم من الأجوبة المختلفة التي توصل اليها. إلا أن الكاتب ينسب الفضائل الحميدة في الانسان إلى الأصول دينية:

         “من يحب-بدون شروط- فهو ديني، حتى وإن لم تكن له علاقة بالدين. ما جدوى الدين؟ ببساطة: لأن في جوهره الداخلي الوعد الوحيد للحب”.(ص29)

            في هذا المقال “هل علم الطبيعة عدو للدين؟” الذي قمت بترجمته من اللغة الألمانية الى العربية، يطرح الكاتب سؤالاً مهماً هو: هل علم الطبيعة عدو للدين؟. ويربط الكاتب في هذا المقال نتائج علم الطبيعة المعاصر بطريقته الخاصة في معالجته لأسئلة الدين ومضمون الأديان. ولا ينظر الكاتب الى علم الطبيعة على أنه علم مناقض ومخالف للدين، بل يعتبره تثبيتاً له:

         “الله هو الرياضي الحتمي والأعلى” (ص62)، ويضيف :”يشترك علم الطبيعة والدين في النهاية في نفس الهدف، وهو: فتح أبواب الادراك”(ص63).

       وقد استطاع الكاتب طرح أسئلة عن الدين وعن التدين تميزت بأهميتها الراهنة. ورغم أنه توصل الى نتائج متناقضة أحيانا، إلا أن القارئ سيجد ضالته في البيبليوغرافيا المهمة الموجودة في الكتاب، وسيسعد بالنتيجة التي توصل اليها الكاتب في آخر هذا المقال. ” توجد آخر حقيقة عند الله. وهو ما يعرفه العلم أيضاً. أيُّ نوع من الحقيقة هذه؟- هذا ما لا نعرفه “(ص66).

II..المقال المترجم:

         يمثل الأشخاص المتدينون في بعض الأحيان وجهة النظر التي تقول بأن علم الطبيعة- على خلاف غيره- يمكنه أن يكون مساعداً في البحث عن الحقيقة. ومن المحتمل أن يكون العكس هو الصحيح؛ ذلك أن  علم الطبيعة يكون مزعجاً فقط أثناء البحث عن الحقيقة، لأن هذه الأخيرة توجد عند الله، ولم يكن الله في يوم ما موضوعاً لعلم الطبيعة. ويجب علينا أن نعترف بأن هذا الأمر ليس خاطئاً تماماً.

       الواقع أن علم الطبيعة لا يملك أية وسيلة تمكنه من الاستدلال على ما هو إلهي أو تفنيده. فالله هو الجوهر الروحي الوحيد الذي لا تتعرض له قوانين الطبيعة. ولكن ألا يمكن اعتبار هذا الأمر تعبيراً عما هو ربّاني؟ كان هذا هو سؤال (جوته) العظيم من قبل، وهو: أليس في استطاعتنا تقصي الله أولاً عبر الطبيعة؟ ولهذا فإن المحصلة الأخيرة  هي أن صورة العالم قد بلورت صورة الله في علم الطبيعة.

       وفي الحقيقة، كلما تعمق المرء في علم الطبيعة، كلما امتلك روحاً كونية بشكل واضح. ولا شيء يعارض النظر إلى الروح الكونية على أنها روحُ للخالق. وتعبر روح الخالق هذه عن نفسها بلغة مجردة وواضحة وصارمة – ويمكن للمرء أن يعبر هنا أيضاً عما هو إلهي في الطبيعة. وهذه اللغة هي بالضبط لغة الرياضيات، التي بها يستطيع المرء وصف الطبيعة بشكل دقيق ضمن حقول معرفية واسعة. فلغة الرياضيات هي لغة الله. وعلى هذا النحو يمكن لنا أن نقول في النهاية بأن الله هو الرياضي الحتمي والسامي على الإطلاق. وليس معنى هذا أنه لم يتم التعرف على الله إلا في هذه اللغة، فحتى الموسيقى يمكن أن نفسرها على أنها لغة إلهية. ولكنها لغة بُنيت رياضيّاً أيضاً. ومع هذا كله لا يبذل الله جهده فيما هو رياضي خالص.

    إن الله هو ذلك السر الأخير الذي لم تبلغ فيه الرياضيات أيضاً أقصى حد في مستوياتها العليا. وهذا أمر رائع. فمن يريد أن يعيش في عالم خال من الأسرار؟ “فعندما يغيب عن الإنسانية الشعور بأن العالم يضم بين جنباته سرّاً ما، ينتهي كل شيء”، كما قال عالم الأدب اليهودي جرشوم سوليهم Gerschon Scholem (1897-1982).  وفي الأخير يشترك الدين مع علم الطبيعة في الهدف ذاته، وهذا الهدف هو “فتح أبواب الإدراك والمعرفة، وبالتالي يصبح الإنسان واعياً بوجوده الخاص في هذا الكون، وواعياً بمكانته الخاصة في العالم”.

           إن معرفة الذات هي القوة الدافعة للدين وللعلوم الطبيعية. كما أن الملاحظة والتجربة التي تقدمها العلوم الطبيعية هي دائماً عبارة عن ملاحظة الذات Selbstbeobachtungوالبحث في الذات Selbsterfahrung. إن كل نظرة إلى النجوم- ولا يهم هنا إن كانت بالعين المجردة أو عبر التلسكوب- هي نظرة في ذات ما، وهي أيضاً سبب لكي تحركنا هذه النظرات بشكل عميق وتجعلنا نصاب بالدهشة أيضاً. و يصدق نفس الشيء على النظر عبر الميكروسكوب في عالم الأشياء الصغيرة جداً. ويختفي التحجر في كلمة “الدهشة” بالنظر الى الظهور الذي يتحدث فيه إلينا شيء ما، والذي لا يدل سوى على فيزياء الظهور.

           ولهذا السبب يضعنا، هكذا، علم الطبيعة في حالة متواصلة من التعجب والاندهاش بالنظر إلى شيء يكون دائماً أكثر غنى وأكثر دقة، وأكثر إلغازاً من النظرية التي تدور حوله. ويتعلق الأمر في علم الطبيعة أيضاً بالاحترام والتوقير، إلى جانب الملاحظة الدقيقة والمعنى الموحد لموضوع الملاحظة (للملاحَظ). ولا يتوافق علم الطبيعة مع ما هو روحي فقط، بل هو نفسه مصدر غير مخلوق للروح. وتلتقي نوعيات الجودة الدينية والفكرية تماماً على دائرة معارف العلم من تلقاء نفسها.

         ويُفهمنا علم الطبيعة بوضوح أنه لا يستطيع أن يقول أي شيء عن الله نفسه أو عما هو إلهي في الوقت ذاته. ذلك أنه يعرف بدقة متناهية مجال صلاحياته، ولا يخجل بأن تعطى إلى جانب ما هو معرفي وتفسيري، بعض ما هو لامعرفي ولاتفسيري. ولم يُضمر علم الطبيعة قط العداء لما هو ديني. وهذا ما يلاحظه المرء عندما يستعرض جل علماء الطبيعة الكبار- من بيتاغورس Pythagoras وكوسونوس Cusanus، وكبرنيكوس Kopernikus، وجاليلاي Galilei، ونيوتن Newton، وداروين Darwin، وحتى بلانك Planck، وأينشتاين Einstein، وشرودينغر Schrödinger، ومايزنبرغ Heisenberg، أو كارل فريدريش فون فايتسزيكرFriedrich von Weizsäcker-Carl – الذين كانوا و ما يزالون أشخاصاً متديّنين. فالتديّن لا يُعرقل روح الباحث في العلوم الطبيعية، بل تستطيع المعرفة في مجال العلوم الطبيعية تعميق التديّن الموجود.

      لقد أعطى الانسان لنفسه اسم “الانسان العاقل” Homo Sapiens، ويمكن للمرء ترجمة هذا الاسم بـ”الانسان العالم”، أو من الأفضل ترجمته بـ”الانسان الحكيم”، لأن الحكمة تتجاوز المعرفة بكثير. إنها تضم التجربة، وبالخصوص تجربة الإيمان. وكان يسود الاعتقاد في تاريخ الإنسانية أن المعارف الطبيعية والإيمان الديني قد ظهرا في نفس الوقت.

            يمكن للمرء أن يقول إن الله أعطى للإنسان عقلاً كبيراً لكي يستعمله من أجل التوصل الى معرفة العالم وخالقه؛ ذلك أن الفهم الأصلي للطبيعة كان فهماً دينيا. وقد شُبّه العلماء في المجتمعات التي تنتمي إلى ما قبل التاريخ برجال الدين، لأنهم كانوا حكماء، وقديسين، وأولياء، في نفس الوقت.

          وإذا نظر المرء الى الـ 5000 سنة الماضية من تاريخ الإنسانية، فإنه سيتولد لديه الانطباع، كما لو كان الايمان بالعقل، قد أقصى الإيمان بالله وبالآلهة. وعندما يفتح الباب أمام الحداثة يتم دائما غلق الباب المؤدي الى الإيمان، وتحل المعرفة مكانه. والطريق الذي سارت فيه أوروبا نحو التنوير، هو طريق لا يمكن التراجع عنه.

          يجب إعادة تفسير الصور الدينية القديمة، سواء في القرآن أو في الإنجيل، من جديد. فما كان مقدساً بالنسبة للإنسان قبل 2000 سنة يجب أن لا يكون اليوم مقدساً. فحتى المقدس يتغير. فلم نعد نفهم البرق والرعد كعلامة على الألوهية، كما كان يفعل الناس قديماً.

        لا يضعف التنوير والعقل إلا جزءاً من الإيمان الديني الذي يتناقض بشكل كبير مع المعرفة الحداثية. إلا أن هذا الإضعاف هو أمر صحي، فالإيمان الجاهل هو إيمان ضعيف جداً. وقد قدم الإسلام حالياً هذه التجربة بشكل واضح.

     كانت جماعة المسلمين في الماضي قوية، لأنها كانت مكاناً للتكوين. تقول صلاة محمد: اقرأ. ولم يحدد القرآن ما يجب أن يقرأه المرء. وقد قرأ مسلمو العهد الإسلامي المبكر أعمال علماء الطبيعة اليونانيين، والرياضيين، والفلاسفة، ودرسوا أعمال الفرس والهنود والصينيين القدماء. والنتيجة أن العلوم الطبيعية والرياضيات بلغت أوج عصرها الذهبي في العالم الإسلامي. وطور المسلمون علم فلك جديد، كما طوروا الجغرافيا وفروعاً جديدة في الرياضيات.

     وفي القرن الخامس عشر بدأ علماء الدين المسلمين بوضع حد للعلوم الطبيعية. وبعدها تَوَجّب الاعتماد فقط على ما جاء في القرآن. وكانت النتيجة هي تراجع فكري تام في عصر كانت فيه أوروبا قد دخلت عصر النهضة وبدأت المعرفة في العلوم الطبيعية ومعرفة الرياضيات تتملك أوروبا، مما قمع المسيحية حتى الآن بشكل واضح. ومازال العالم الإسلامي يغرق في عدائه إلى اليوم للعلوم ويفقد التواصل مع العالم المعاصر الذي أسس نفسه على العلم. مع أنه يوجد في القرآن بأن الله يساعد الذين يوسعون أفقهم الفكري في كل الاتجاهات.

       وحسب التفسير الطبيعي الحداثي للعالم، أصبح الله أكبر، وأصبح مبهماً، على ما كان يظهر عليه في أساطير الإنجيل. ويعتمد الله أساساً – إن صح التعبير – على كل الأسئلة التي يحاول العلم المعاصر الإجابة عنها. ولا ينغلق الدين الحقيقي على علم الحداثة، لأن الله يعلن عن نفسه بطريقة واضحة في هذه المعرفة. ويجب على الدين أن يعرف بأن علم الطبيعة لا يمكن التغلب عليه، حتى بواسطة التكذيب الديني.

        وهناك أمر أكيد أيضاً، هو أن حقائق العلوم الطبيعية ليست حقائق شاملة، بل هي آخر حقيقة، توجد عند الله. وهو ما يعرفه العلم أيضاً. فأيُّ نوع من الحقيقة هذه؟- هذا ما لا نعرفه.

 

*مقال: “هل علم الطبيعة عدو للدين؟” (ص. 62-66) من كتاب “إذا كان الله خيراً، فلِمَ يوجد الشر إذاً في العالم؟ أسئلة في الدين”. لـغيرهارد شتاجون، دار النشر هانزر، ميونيخ، 2006. (عدد صفحات الكتاب 207).

Ist die Naturwissenschaft ein Feind der Religion ?: Im «Wenn Gott gut ist, warum gibt es dann das Böse in der Welt? Fragen an die Religion». Gerhard Staguhn, Hanser-Verlag, München 2006. (207 Seiten).

نبذة عن المترجم/

رضوان ضاوي، باحث في الأدب المقارن والدراسات الألمانية، خريج ماستر الأدب العام والمقارن جامعة محمد الخامس الرباط في سنة 2011، وأستاذ للغة الألمانية. أحضر رسالة الدكتوراه في الأدب المقارن.

شاركت في مجموعة من التكوينات والورشات العلمية والتداريب المهنية في المغرب وفي ألمانيا والنمسا وسويسرا. ولي مجموعة من المقالات والترجمات المنشورة في مجلات محكمة مثل مجلة التأويل التي يصدرها مركز الدراسات القرآنية بالرباط، ومجلة رباط الكتب ومجلة الجامعة بلندن، ومجلة المجلّة بالقاهرة، ومجلة مبدأ بصفاقس تونس.

تعليقات فيسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *