الرئيسية / اخترنا لكم / شُرفَةُ القصيدةِ أو حين تطلّ الذات على لغتها

شُرفَةُ القصيدةِ أو حين تطلّ الذات على لغتها

received_1041936522493878تدفعنا القصيدة العربية المعاصرة إلى هتكِ عُذريّتها المستعصية على الفضّ، وتقودُنا باستعاراتها إلى الافتتانِ بصُورِها وغواية جسدِها المُتمايِل في بناء جُملها المتراصّة، التي لا تكاد تنتهي من تحسُّس مفاتنِ تركيبِها حتى ترميَك إلى أسطرٍ أخرى أكثرَ انجذابا وإغواءً، عندها تشتعلُ فيك نارُ الشّهوة إيذانا بتمزيقِ الحُجُب وإزاحةِ السّتائر عن المخبوءِ لينبثق لك كيانُها السّاحرُ وجسدُها المصقُولُ بعنايةٍ دقيقةٍ على بياضِ الصفحة.

عندما تكون في حضرة القصيدة، فأنت، بلا شك، في حضرةِ صُوَرٍ شعريةٍ ناعمةِ الملمس ولطيفةِ المعنى والمبنى، فكلّ صورةٍ منها وكلّ ملمس فيها ينقلك من واقعك السّطحي إلى عالمٍ يتّسع بالاستعارات الدّفينة بين ثنايا كلماتها وتركيب جُملها، إذ كلما توغّلت أكثر في كثافة لغتها كلما أبحرت في لُجَجِ سوادِها وعُمق دلالتها، إن أنت أحسنت لمْسَها وسمْعها بنبض المعرفة ونور العلم. على هذا الأساس فالقصيدة بمثابة جسدٍ يستبطن أسرار الجمال والسِّحر والغواية والافتتان من أول لقاءٍ حتى آخر رشفةٍ ترتشفُها من شفتي حروفها وأغوار بياضها.

إن قراءةُ قصيدةٍ واحدةٍ من ديوان أحدِ كبار الشعراء المعاصرين أمثال أدونيس ومحمد بنيس ومحمود درويش …إلخ، تجعلك تسافرُ بين أحضانِ اللغة وأنتَ تتنسّمُ بعمق أريجَ الكلمة. إنها تنتقل بك من نسيج البناء إلى عُمق الدّلالة، ذلك أنّ القصيدةَ لا تكتُبُ ذاتها إلا على أرضٍ جوفُها يرتوي من ماءِ الحرف وعبَق الوِجدان، فمِنُهُما تتسلّل اللغة عبرَ اليدِ كيْ تطلّ العينُ على شرفةِ العالم وفُسحة الكتابة حتى تنصتَ الذات إلى نبض أسرارِها ودواخل خفاياها، ومن ثمّ تتبيّن خيط سوادِ اللغة من بياضِها.

لا ينكشف لك خيطُ القصيدة عندما تكون جاهلا بمداخلِ القراءة ومفاتيحِ التأويل، ولا تنبثقُ لك الرؤيةُ واضحةً إلا إذا سلكتَ المسالكَ وأوغلت فيها بلطفٍ كما يسلك الماءُ وهو يشقُّ طريقه بصمتٍ نحو عينٍ كي يرتويَ من عذوبتها وصفاء فيضِها المقيمون كما العابرون. بهذا المعنى، فالقصيدةُ عبورٌ نحو ليلِ المجهُول، وجنوحٌ بالذاكرة إلى ما تختزنُه اللغة من دلالاتٍ قد توصِلُك إلى شرفةٍ تضيء لك عتْمة الطريق، أو تبقيك هناك معتكفا بين أركان الحرف حتى تسموَ بالإنصات إلى فتوحات الخيال ودرجات الترقي عندها تنفتحُ أمامكَ مسالكُ السّفر والاستئناسِ بغُربة اللغة وتشعّباتِها الكثيفة.

من هذا الجسدِ الساحر يتسللُ الإيقاعُ خُفيةً إلى القصيدةِ ليتدفّقَ من اليد، بهدوء ماءٍ، في كلّ جنبٍ من جوانبِها القصيّة، وعبر اللغة يتفاعلُ في تناغمٍ وانسجامٍ مع الصّورة وما تُضمِرهُ استعاراتُها من شطحاتٍ نخييلية  تتراقصُ والإيقاعَ باحتفاليةٍ صامتةٍ من أجل بناء مكانٍ نصيٍّ مُنفتحٍ على أشكالٍ تتجددُ باستمرارٍ وفق ما تختبره الذاتُ من إمكانياتٍ تدفع بالقصيدة إلى تكثيف بنائها الإيقاعي واللغوي معا.

إن الإيقاع، بهذا المعنى، يوجِّه بكل قوة وإصرارٍ مسار اللغة داخل القصيدة، وهو بهذا التوجيه يعمل على نسْج الصّورة ومحاورة كلِّ صائتٍ وصامتٍ فيها، ليُشكِّل منها لوحة شعرية حُبلى بالدّلالات تنتظر من يوقظ فتنتها النائمة بين الأحشاء. بفعل التوجيه هذا، يكونُ الإيقاعُ تمثلاً للذاتِ الكاتبة، وتجاوزًاً للمألوف وصولا إلى المجهول، وسفراً من المرئي إلى اللامرئي، حيث الانشغال بالأعمق في الكتابة هو الرهان الأكبر، الذي تعوِّل عليه الذات في تجربتها الشعرية وفي ممارستها النصية. من هنا يصبح الإيقاع عبوراً من الأدنى نحو الأعلى، ومن الظاهر نحو الباطن من أجل معانقة سماء المطلق الشعري.

حينما تلامسُ الذاتُ مطلقَها الشعري، عبر اللغة، فإن ذلك يدفعُها إلى إبدالِ مكانِ الإقامة بما هو مكانٌ يستدعِي المغامرةَ الدّائمة والاستكشافَ المستمر والبحثَ العميق فيما يُرى. مغامرةٌ تُفسِحُ للقصيدة الجنوحَ نحو خيالِها المعرفي الخلاّق، الذي يطيرُ بك في فضاءٍ لا تحُدّه الأمكنةُ ولا تضيقُ به الأرجاء. إنه خيالٌ يجعل القصيدةَ تنبِضُ بالحياة كي تتجدّدَ باستمرار، ولا يقف تجدّدُها إلا إذا انعدم نبضُ المعرفة واختفت معالمُ الأثرِ وانحبس ماءُ الكتابةِ عن هذه الأرضِ أرضِ القصيدة.

طارق فتوح

تعليقات فيسبوك

شاهد أيضاً

عبد الله سرمد: موصليونَ في المَصحَّةِ النفسيّةِ

المريضُ الأولُ: إذا رفعْتُم أنقاضَ بيتي وأعدْتُم بناءَه، فلا تضعوا فيهِ الأبوابَ، التشخيصُ: رُهابُ البابِ ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *