الرئيسية / اخترنا لكم / “محنة طويلة الأمد” لمحمّد غرناط

“محنة طويلة الأمد” لمحمّد غرناط

mohammed-gharnatانتهى فصل الشتاء دون أن ترتوي الأرض. كن المطر قليلا، عرف القعداوي أنه لم يهطل ما يكفي كي ينمو الزرع ويعطي ثماره على نحو ما كان يتوقع فاكتأب. كان قد فكر في أن يبيع محصول السنة كي يقتني حصانا وعربة ويزوج ابنه الذي بلغ رشده وما زال ينتظر. تأمل الشمس التي تغيرت أشعتها بسرعة، كانت باردة فصارت في لمح البصر حارقة لاسعة، و تحرك باتجاه الجبل القريب من القرية، وظل يمشي لأزبد من ساعة على قدميه حتى وقف أمام العين التي يتدفق ماؤها العذب ليلا ونهارا. مد كفيه فألفى الماء باردا وشرب منه، ثم ألقى بصره على الأرض الشاسعة التي تجاور أرضه. رأى الماء يجري بين أحواضها، والزرع على مشارف أن تكتمل ثماره.

تنهد، وعاد إلى بيته يتمتم متحسرا. اجتاز عتبة الباب ببطء فرأى زوجته منهمكة في تنظيف أرض البيت من فضلات البهائم. كانت ابنتها الكبرى تساعدها. نده عليها فتوقفت وأسرعت نحوه.

قال لها:

-تعرفين أنني خرجت هذا الصباح دون أن أفطر؟

قالت بآلية:

-أعرف. ماذا أعد لك؟

-شاي وفطيرة بالزيت.

-طيب.
-لا تتأخري عني.إنني أحس بجوع شديد.

خلال دقائق أعدت له الفطور على نحو ما رغب، وجلست أمامه تصب له الشاي وهو يلتهم بنهم. لاحظت أنه متوتر للغاية، لونه مصفر وعيناه ترتعشان. سألته عما به، فأجابها بنبرة متقطعة:
-في الحقيقة أحس بأن جارنا ظلمني كثيرا.

-آه..بالطبع.هذا عيب.

-دائما كنت أأقول لنفسي في يوم ما سيتوب ويتراجع عما يفعل، لكنه تمادى وقد طال تماديه أكثر من اللازم.

-إنه يتصرف كما لو أنه لا وجود لنا بجواره.

-أنا لم أعد راضيا عما يفعل وعلي أن أبحث عن حل.

في هذا المكان وقف يوما رفقة جاره لهويدي وتبادلا حديثا طويلا عن الأرض وأحوال الناس، ثم شكا له القعداوي ما يعانيه من محن كلما انقطع المطر، فتجف أرضه، ويقل ماله، وأحيانا يكاد لا يجد طعاما يأكله؛ ودعاه لأن يقتسم معه ماء العين، فيترك جزءا منه يصب في أرضه.
امتنع لهويدي مخافة أن تتضرر أرضه، لكنه سرعان ما تراجع وسمح له بأن يحفر لنفسه مجرى صغيرا يحول عبره ما يحتاجه من ماء. سعد القعداوي بذلك، غير أن سعادته لم تطل، فبعد أيام معدودة، غطى جاره المجرى بالتراب وهدده بنزاع قد يطول إذا هو عاد للعين. لم يتوقع ما حدث ولم يدر سببا لذلك واغتاظ، لكنه كتم غيظه ولم يفش مشاعره لأحد. حتى التقى يوما ابن عمه فأخبره بما حصل، ثم سأله باستنكار:

– ماذا يريد مني لهويدي في نظرك؟

كان مقرفصا بجواره فوق الأرض ورأسه الأصلع عار يلمع تحت أشعة الشمس. أجابه بهدوء:
– لا أدري. هذا رجل لاأخلاق له. منذ سنوات بعيدة وهو على حاله يأكل أرزاق عباد الله.

– إنه يستفيد من ماء العين ويحرمني أنا منه. لذلك فإن أرضي أنا جافة قاحلة، بينما أرضه هو خضراء مثمرة في كل فصول السنة.

وسأله وقد امتقع وجهه:

– ماذا أفعل معه؟

لم يفكر ابن عمه طويلا فرد عليه بسرعة:

– ليس أمامك سوى أن ترفع شكوى إلى القاضي ليقوم بزجره وإرغامه على اقتسام الماء معك.
قال له هازئا:

– لقد شكوت أمري إليه، لكنه لم يفصل بيننا وتركه يفعل ما يشاء.

– كان عليه أن يحكم بينكما بالعدل.

– هذا هو الواجب ، لكن ما حصل بالفعل هو أنه ترك الأمور على حالها.

– غريب. هذا غير معقول.

وانتفض القعداوي فجأة وجعل يتحسس وجهه قائلا:

– سأوجهه بنفسي، وأنا أخطرتك بقراري لتكون على علم به، سأقوم له وجها لوجه مهما كان الثمن.
كان يتألم، بدا عليه الإحساس أنه فقد كل شيء، وفي الحين بدأ يفكر في أن يستعيده. هز رأسه وسوى القبعة فوق رأسه، وأخذ الطريق نحو بيته. وجد زوجته في انتظاره بالباب كأنها على موعد معه، وما إن رأته حتى هتفت مرحبة، لكنه لم يجبها بابتسامته العريضة المعهودة وظل عابسا ساهم النظرات.

سألته عما به فلم يتأخر في الجواب وقال لها:

– صبرت كثيرا واليوم فقدت القدرة على الصبر. ربما لم يفدني في شيء. ولذلك علي أن أقوم بما يلزم لأسترد حقي.

وأضاف بعد برهة:

– أنا لا أريد أن أنتقم منه. سأفعل كما لو أن شيئا لم يحدث من قبل. سأدافع عن حقي لأستفيد أنا كذلك من العين. كلنا أبناء آدم والماء لنا أجمعين.

ردت عليه وهي تسكب الشاي ببطء:

– لاشك في أن ما قام به فيه مهانة كأنما يظن بأن بيتنا ليس فيه رحال.

برقت عيناه وقال بافتخار:

– بيتنا بيت عز. نسب وجاه. ولنا من القوة ما ندافع به عن أنفسنا.

ثم أردف وقد صار أكثر عزما:

– هذا المساء سأذهب رفقة ابني إلى العين وسأحفر من جديد مجرى للماء فوق أرضي.

أبدت إعجابها وهتفت:

– حسنا. إياك أن تتراجع.

– أبدا. لقد قررت ولن يثنيني شيء عن قراري.

– الله معك. من الآن فصاعدا لا خوف عليك. سيكون عملك هذا بداية نصر كبير على لهويدي وأهله. وسيتغير كل شيء في بيتنا.

سعل بخفوت والتقط أنفاسه وجعل يدعو لنفسه وهي تردد معه أمين. ثم في المساء مضى صوب العين متخفيا وفتح مجرى ماء صغير يصب في أرضه كما وعد ورجع إلى بيته.

قضى ليلته مطمئنا منشرحا. وفي الصباح وهو يهم بمغادرة بيته رأى ابن عمه قادما نحوه.ارتبك، واستدار نحو شجرة قرب الباب وقعد تحت ظلها. سأله عما جعله يأتي لزيارته في هذا الوقت المبكر من النهار فأجابه:

– والله يا ابن عمي أنا حائر.

– ماذا في الأمر؟

– الحقيقة أنا أخشى من وقوع مكروه.

– كيف؟

– لقد زارني لهويدي مع أذان الفجر. جاء على ظهر جواده الأدهم.، في جلباب أبيض. انقبض قلبي حينما رأيته وتملكني الخوف.

– وماذا قال لك؟

تنهد:
-لا أخيك. كان هائجا مثل ثور. يصرخ بصوت عال. ولديه إحساس بأنك اعتديت عليه. قال إن العين لا حق لأحد فيها. إنها له وحده. هو مالكها الذي له الحق في أن يتصرف فيها كما يشاء. وأنت في نظره قمت بعمل شنيع ستنال عليه الجزاء. إنه مصمم على مواجهتك حتى لا تكرر فعلك.

وسأله:
– سمعت؟

قال في انفعال:

– إنه نذل.

وتابع متأسفا:

– اعتقدت أنه جاء لنسوي الخلاف في ما بيننا.

– بالعكس. جاء مهددا ولم يخف عني شيئا.

ومنذ تلك اللحظة جعل يستعد. استعد على نحو لائق. اشترى لنفسه بندقية، وصنع لأبنائه وبناته عصيا من أعواد الصفصاف الصلبة. وتحلقوا حول باب البيت إلى أن تناهت إليهم أصوات لهويدي وأهله قادمين. قاموا دفعة واحدة، وتقدم القعداوي خطوات إلى الأمام. ولما رأى جاره على بعد أمتار وأهله خلفه وقد استعدوا للقتال رفع البندقية فوق كتفه وهددهم إن هم اقتربوا منه أطلق عليهم الرصاص، لم يعبأوا به، وفي غمضة عين التقى الجمعان، ولبثوا وقتا طويلا تحت رحمة العصي حتى غطت الدماء الأرض فافترقوا.

وفي الغد تفقد القعداوي مجرى الماء فوجده مغطى بالتراب ، فرجع مثل مسعور يصرخ بكل ما يملك من قوة، حتى استعد ابناؤه وعادوا للقتال. ولما توقفوا، نصبوا خياما وسط الغبار، ومكثوا بها إلى أن أبرموا مع جيرانهم صلحا دائما فصاروا إخوة لكنهم لم يقتسموا الماء.

تعليقات فيسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *