الرئيسية / اخترنا لكم / رضوان ضاوي: موعظة الذبابة

رضوان ضاوي: موعظة الذبابة

          تقول قصّة “الذّبابةلكورت كوزنبرغ*، إنّ سلطان توبودان كان يلجأ إلى الغرفة الخضراء في قصره حين يريد أن يتأمّل ويفكّر بهدوء. ولهذا تقتضي مهمّة الخادم بونتوس الحرص على عدم دخول أيّة ذبابة مزعجة إلى الغرفة. وذات يوم، وبينما كان السّلطان جالسًا على الأريكة مغمض العينين، والخادم واقفاً على الباب متوتر الأعصاب يحمل في يده آلة طرد الذباب، ظهرت ذبابة وأصدرت أزيزاً مزعجاً. أغضب صوت الذبابة السّلطان، خاصّة بعد عجز العبد عن قتل الذّبابة أو إخراجها من الغرفة. حدّد السّلطان وقت إنجاز بانتوس لعمله باستيفاء السّاعة الرّمليّة للرّمل الموجود فيها، وإلاّ فقد حياته.  وكانت الكارثة: استقرّت الذّبابة على ركبة السّلطان قبل أن يتمكن الخادم المسكين من طردها. حينها فكّر الخادم بانتوس في قتل السّلطان والهرب من القصر، خاصّة بعد أن عجز عن إنجاز عمله. ويبدوا أن ضعف بنيّة السّلطان، وسهولة خنقه، شجّعا الخادم على التّفكير بارتكاب الجريمة.

          فتح السّلطان عينيه فرأى الموت يقترب من عنقه بيدين قويتين يملكهما الخادم. فهم السّلطان ما يدبّر له من مكيدة، فاقترح على خادمه حلاً للمسألة تحفظ للسّلطان هيبته: وهي منح السّلطان ساعة زمن للخادم ليهرب، وبمجرد انتهاء الرّمل من السّاعة الرمليّة، سيعطي السّلطان لحراسه وكلابه المدرّبة إشارة مطاردة الخادم الآبق. وإذا ما ألقي عليه القبض، سيضرب السّلطان عنه. فخرج بانتوس من القصر لا ينوي على شيء سوى الهرب من القصر والنّجاة بحياته. بينما انتظر السّلطان استيفاء السّاعة الرّملية لكميّة الرمل بها، ليعطي الإشارة  المنتظرة.

في هذه اللّحظة، رأى السّلطان ذبابة تطير في الغرفة الخضراء فاعتبرها السّلطان “علامة” و “تحذيرًا” له، لهذا أوقف عمليّة المطاردة قبل أن تبدأ، فتمكن بانتوس من العودة إلى وطنه وممارسة مهنته “بنّاءاً”  والبدء بتنفيذ حلم حياته، وهو بناء مدينة جديدة.

        بالنّسبة لعمل بانتوس، الذي لا يوجد مثله إلاّ في “الشّرق”، فقد يظنّ الجميع أنّه عمل سهل، ومريح ويستطيع الكسالى إنجازه بسهولة. مما يجعلنا نظلم بانتوس. أولاً لم يختر بانتوس هذا العمل بنفسه، بل إنّ القدر هو الذي قاده إليه، بعد أن كان بناءاً ماهراً في وطنه، يعاني من الاضطهاد. ثانياً، لم يكن من السّهل أبداً في الشّرق إخراج الذّباب من الغرفة. كما أنّ الغرفة الخضراء تتوفر على تحف فنيّة نفيسة، جعلت مهمّة بانتوس صعبة للغاية، فحماسه لقتل الذّبابة قد يقوده إلى الإضرار بهذه التّحف. ويجب الإشارة إلى أنّ الذّباب، ورغم أنّه لا يملك عقلا يفكر به مثل البشر، إلاّ أنّه يحسّ بالخطر. إضافة إلى كلّ هذا، فقد حدثت القصّة في وقت يقوم فيه كلّ ذباب العالم برقصات غير مفهومة، حتّى وإن لم تكن حياته مهدّدة، وهي ساعة غروب الشمس. لكنّها بالطّبع تجعل عمل بانتوس مستحيلا.

والآن، وبسبب ذبابة، لن يستطيع أبداً بناء المدينة التي كان يحلم بناءها في الماضي في وطنه. قال بانتوس الخادم محدثاً نفسه: “إذا كنت سأموت بسبب هذه الذّبابة، يجب أن يموت السّلطان أيضاً. إنّه ليس قوياً، ومن السّهل خنقه…لن تُكتشف فعلتي بسرعة. سأهرب…ربما أكون محظوظاً بعد سوء الحظ الذي لاحقني”.

حين اكتشف السّلطان نيّة خادمه القاتلة، سأله: “أتريد قتلي؟”. فأجابه الخادم: “نعم سيدي، أريد ذلك. لأنّني يجب أن أموت بسبب ذبابة”. تسارعت دقّات قلب السّلطان، بعد إحساسه بدنو أجله بسبب ذبابة، وشحب وجهه، وقال لنفسه:”بسبب ذبابة سأفقد حياتي على يد خادمي”.

          وجاء اتفاق السّلطان مع الخادم حلا يرضي الطرفين. لكن حين أراد السّلطان إعطاء إشارة مطاردة الخادم، رأى مرة أخرى الذّبابة التي كاد يفقد بسببها حياته، فاتعظ وأوقف المطاردة، فقد يكون الجزاء من جنس العمل، وقتل النّاس بسبب تافه يعرض فاعله لنفس الجزاء. إنها عادة القتل لأسباب تافهة: بسبب ذبابة، كاد السّلطان والخادم يفقدان حياتهما.

ألا تعني لكم هذه القصة شيئًا؟-بلى: الكثير من العرب فقدوا حياتهم بسبب ناقة في حرب البسوس، كما فقد الكثير منهم حياتهم بسبب حصانين هما داحس والغبراء. وكم من القتل والدّمار حلّ ببيوتنا لأسباب تافهة. لقد اتّعظ السّلطان بذبابة، وبعبده بانتوس، وليت البشر يتّعظون مثله، وقديماً قيل: السّعيد من اتّعظ بغيره والشّقي من اتّعظ بغيره. فمتى يتّعظ  العرب والمسلمون ويصلحون ذات بينهم؟- والصّلح خير.

*Kurt Kosenberg ولد سنة 1904 في السويد، مؤرخ للفن وكاتب حر يعيش بهامبورغ بألمانيا. اسم القصة الأصلي هو:Die Fliege.

 

رضوان ضاوي

 

باحث في الدراسات الألمانية

الرباط/المغرب

تعليقات فيسبوك

شاهد أيضاً

“محنة طويلة الأمد” لمحمّد غرناط

انتهى فصل الشتاء دون أن ترتوي الأرض. كن المطر قليلا، عرف القعداوي أنه لم يهطل ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *