الرئيسية / كتب حديثة / روحانيات أنثى: قراءة في المجموعة القصصية” ظلال وارفة” لسعاد الناصر

روحانيات أنثى: قراءة في المجموعة القصصية” ظلال وارفة” لسعاد الناصر

قرأت (أمينة الطنجي) مجموعة القصصية ” ظلال وارفة” للأديبة المغربية” سعاد الناصر” لمرة واحدة، فكانت كافية لتأخذ بتلابيبي، لتتحول القراءة إلى متعة، تدخل في حالة شائقة من التذوق للغة إبداعية دافقة، تحفز، وتستفز نهَم القراءة في حد ذاته،وتقودني نحو نوعية الأنثى الكاتبة،وعوالمها المتخيلة، التي تلامس وجود امرأة رفيعة الإحساس، روحانية الهمسات، تلج بالمتلقي إلى مختبر إبداعها، فيجد نفسه أمام قضايا اجتماعية، وإنسانية تشعرك بانتمائك إليها.

في وقتنا الحالي، أصبحت الكتابة النسائية، تتجاوز العالم المنظور الضيق السائد في الثقافة العربيةالذكورية، الى عالم أنثوي يحضر بمعطاه البيولوجي، الذي يعبر عن كينونته الأنثوية، ويذهب إلى أبعد من ذلك، حسب ما يطلبه منها دورها في المجتمع؛ فهي تتبادل مراكز الهيمنة والقوة مع الرجل، غير منزوية في نزعة نسوية محدودة؛ بل تبدع وتبتكر أنماطا جديدة في فن القول والخطاب السردي بشتى أنواعه، مما يعزز خصوصياتها ومرجعياتها الثقافية المتنوعة.

عتبة العنوان وغلاف الكتاب.

     يمثل العنوان بداية النص ومنتهاه وهو بمثابة البوابة التي بواسطتها نلج إلى العمل القصصي”ظلال وارفة” وهو مركب إسمي من وحدتين، “ظلال” جمع “ظل“وتعني – تَحْتَ ظِلالِ الشَّجَر أيِ تَحْتَ فَيْئِها، والوحدة الثانية “وارفة” بمعنى: اتسع وطال وامتد، و “ظلال وارفة ” جملة إسمية لها رنة في الأذن ، سمفونية الوصف،  تمنحك إحساسا بالصفاء والنقاء ، كاملة الدلالة الإيحائية للمعنى التي جاءت بها قصص المجموعة، دافعة بالمتخيل إلى الذهاب بعيدا للبحث عن الصورة التي يمكن أن تكتمل في ذهنه عن شكل “الظل” وكيف له أن يجتمع في مكان واحد محققا ظلالا، وأي ظلال؟؟؟؟ وارفة.. التي تمنحك إياه الشجرة دون أن تأخذ مقابله، والمرأة يشبهها بعض العقلاء بالشجرة لعطائها الوافر لأولادها وأقاربها دون مقابل، فكان حضور الشخصية “الأنثى البطلة“في جل قصص المجموعة هو الحضور، الذي يحققه ظل الشجرة.

تأثث فضاء غلاف”المجموعة القصصية” من وحدات أيقونية مشحونة بالدلالات، تتوسطه صورة تضم بعض الأشجار الكبيرة المكتظة بالأوراق، ورغم بعدها ترسل ظلالا فتبدوا قريبة من بعضها حتى  غطى الأرضية  سواد كثيف، والضوء المتسرب اختلط مع الظل فصار لون الشفق عند بزوغ الشمس، وكأن الليل قد أرخى سدوله عليهم. أما النصف العلوي من الغلاف ، فيمثل البياض الذي كان وجوده ضروري لوضوح سواد الظلال ، وفي أسفله عنوان المجموعة ” ظلال وارفة” بخط واضح باللون الطيني ، الذي انتشر في الجانب السفلي من الصورة يفصل خط رقيق أبيض بينه وبين  ظل الأشجار، كتب فيه اسم القاصة ولقبها باللون الأبيض بخط رقيق ، أصغر من خط العنوان ليبقى هذا الأخير أكثر بروزا في الغلاف.

قراءة في المجموعة” ظلال وارفة:

للقراءة في المجموعة القصصية، ” ظلال وارفة” وقع يشحن المتلقي بجملة من الأحاسيس المتدافعة، تسلمك الهوية الأنثوية لأبطال المجموعة التي تضم عشرين قصة.. بقضايا مختلفة، وعناوين تتسم برومانسية خاصة بالمرأة، ( حين تزهر أوراق الشجر- أغصان السكن- لقاء قريب – تماس – وصلة الخبز- حينما تتكلم المرأة – ولادة..) ، ولربما يتساءل المتلقي عن هذه التيمة،  هل يسقطها الكاتب على كتاباته عمدا، أم تراها تنفجر بين أنامله ؟

القصةالقصيرة فن ذاتي. إنها نص المتكلم بامتياز، فهي اللسان الناطق للجماعة المغمورة، أو المهمشة (فرانك أوكونور)،والمتكلم قد يكون شخصية حاكية، أو محكي عنها، تضع بين يدي القارئ بعض ما عاينه الكاتب من عمق المجتمع، لهذا يمكن أن تاتي القصة لتعرية بعض المظاهر السلبية، من أجل إصلاحها في الوقت نفسه، فالمؤلف يعتبر قارئا لمحيطه ومجتمعه. من هذه الرؤيا نجد الكاتبة سعاد الناصر قد استطاعت أن تنقل المجتمع المغربي المحافظ الى مجموعاتها هذه، عبر شخصيات متنوعة .

         اعتمدت القاصة في سردها على حضور الشخصية الأنثوية؛ بكل شموخها وعطائها الوافر؛ الذي لا ينفذ في كل مراحل العمرية( الأم ، الأخت، الزوجة، البنت)، وكأني بالكاتبة ترسل رسالة للرجل لتخبره عن مدى أهمية دور المرأة في حياته، ومدى تفانيها في ذلك الدور.. وملازمة له.. تظلله بكل ما تملك من الحب والحنان،  كما في قصة : ولادة ( تسمع بكاء ابنها الخافت، تسرع اليه، كانت موزعة بينه وبين ابنتها المشرفة على{}، تحتضنه تهدهده، تهمس في اذنيه…)(ص 65 )، وقصة : وصلة الخبز(طأطأت رأسها لمسح الدموع التي أغرقت وجنتها …لا يمكن ان يكون البحر قد ابتلعه – أخوها – بهده البساطة، انه يفكر كثيرافي كل خطوة قبل ان يخطوها)(ص 100 )،وقصة : حينما تتكلم المرأة( وضعت اللمسات الأخيرة لأناقتها، وتأبطت ذراع زوجها من اليمين، وذراع ابنها من اليسار، وخرجت بينهما راضية عن تحقيق جزء من هدف )( ص 62 )، فهي لا تشعر إلا وتجد نفسها تهتم به منذ أن بدأت تعي، قصة : لقاء قريب(خرجت ذلك اليوم وراءه مسرعة لأذكره بطلب أمي، ………..هالني أن أرى سيارة تنطلق خلفه، انطلقت صيحتي” بااااا “)(ص 53).

         تنسج الكاتبة عبر مجموعاتها ” ظلال وارفة” خيطا رفيعا لا يخفى على القارئ اللبيب، تغزله بين الأسطر، تخضبه بنسيم العطاء ، ليتمثل حضورا نسائيا يقترب من المثالية، يجليه وعيها الفاعل، وشخصيتها المؤثرة، مهما اختلفت المواقف، وتنوعت الأحداث، وحسب تعريف “جون لوك“، الشخص هو  كائن عاقل مفكر، ويكون على وعي بأنه هو نفسه ذلك الكائن العاقل حيث ما كان وفي أي زمان كان، يعي بأنه هو نفس الشخص الذي قام بفعل معين، و ذلك الفعل لاصقا بهويته ووعيه مهما تغيرت الظروف وتعاقبت الأزمان، والذي يحدد الهوية الشخصية.. إذن هو الوعي، فبواسطته تنسب الأفعال إلى الفاعل، وهذا ما أرادت الكاتبة تقريبه للمتلقي في كون جل ما تفعله المرأة عن قصد أو عن غير قصد، تكون فيه شخصيتها حاضرة، بحنانها، بتدبيرها، بقوتها، بحكمتها..

         تستهل الكاتبة مجموعاتها ، بشخصية أنثوية تتحامل على نفسها رغم ضعفها وانشطارها في بلاد الغربة، لتجد نفسها تصغي للرجل- الذي كان حلمها ذات يوم، قبل أن يوليها ظهره – تتعالى على آلامها..وتخفف عنه شكواه( كنت أستمع إليه ، أفهم إحساسه بالغربة ولو كانت بطعم أخر) ( رجوع ،ص 15 )، فهي تستوعبه وتغفر له ، بمبرر أو بدونه.. تجزل له الاخلاص في النصح..

   تتغلغل المؤلفة في تقصي مشاعر الأنثى، فتمعن في تصويرها، تخلق الحدث بنوعية مصنفة، لتبرز خاصية نسائية، في شبكة علاقتها مع شريكها الرجل، إذ تحاول تصحيح مساره من جديد بعد إخفاقه في اختياره، برقة، وباستحضار نفحات إيمانية ( حدجته بنظرة راضية، وقالت:والله المستعان)(آن يارب، 21 ). إن بناء الشخصية في هذه المجموعة ، عنصرا فنيا في  تشكيل الإطار العام لكل أقصوصة، لأنه عبره تبرر الكاتبة رسالتها، وهذا النوع لا يستهدف لذة القارئ فقط، وإنما يهدف الى تقديم قيمة إنسانيه، تعلي من شأن  المرأة، و تبرز دورها في حياة من يحيطون بها. كما تقدم  للمتلقي شخصيات مختلفة في مدى استيعابها لمعنى الحياة.. شخصيات نابضة بالفعل، نابعة من المجتمع الذي نعيش فيه ، يرى المتلقي نفسه فيها ، تعكس الوجود الحقيقي للإنسان.

          الشخصية هي الجانب الأكثر إثارة والأكثر أهمية في البنية الفنية للقصة القصيرة، وخاصة الشخصيات البشرية التي يمكن للكاتب أن يقدمها برؤية عميقة ووعي أكثر وأنضج لأنه يعرف الكثير عن هذه الشخصية،ويستطيع ان يكشف لنا الحياة الخفية من خلالها.. أي يخبرنا أكثر مما نعرف؛ فالقاص عادة يكتب عما يعرفه، فمارسيل بروست كتب عن المجتمع الراقي، وتشيكوف كتب عن الأطباء والمدرسين، ودي موباسان كتب عن نساء الليل، وهوجو كتب عن البؤساء، وكتب جوجول عن صغار الموظفين. وبالتالي عبر هذه الشخصية يتم أيضا التعرف على المكان ( لم أغمض جفني طيلة الليل، سأذهب اليوم الى طنجة للقاء الأحباب) ( قصة لعبة الحياة ص 79 )، ومع تطور الشخصيات في الزمان. ( فطيلة الأيام العشر التي امضتها مع صاحبتها في هذه القرية وهي تحاول إعادة ترتيب حياتها ، استرجاع الصفاء الطفولي الذي تناثر بين رغبات متمردة ) ( قصة توبة ص 38 ) ،يصبح الزمان وقفة مع الذات .

         توظف الكاتبة في المجموعة كذلك، ثنائية الذات و الآخر. ذات الأنثى، و الآخر الرجل.. ذات المرأة الحاضنة للرجل في جميع مراحل عمرهما ( فأتلقاه في صدري، وأعيش معه همومه  ومشكلاته وأغوص وراء أماله وأحلامه) ( حين تزهر اوراق السفر، ص29 ) ، وهو احتضان وحدب ، قد ينسي المرأة ذاتها ، إلى أن تفاجأ بأن الأيام سرقت منها زهرة عمرها ( تداولتها مشاعر متناقضة، شعيرات بيضاء تسللت في غفلة منها، تكشف عن سنوات مضت) ( حينما تتكلم المرآة ص 59 ) ،  المرأة عند سعاد الناصرنهر متدفِّق من البذل والعطاء للأبناء، للزوج، للإخوة بمعزل عن أي تساؤل:.لماذا أ؟ وكيف؟ ومتى؟..

روحانيات الأنثى في ظلال وارفة:

   يبدو أن مجموعة ” ظلال وارفة” تظللها سحاب الروحانيات ، وكل قارئ لقصص
المجموعة سيلمح  خصوصية الأنثى  فيها انطلاقا من التحليل النفسي والرومانطيقي الروحاني، المرافق لها في   جل قصص المجموعة، شلالات من الاحاسيس، من خلال قدرتها على صياغة عوالم اللغة الشفيفة، تظهر تفردها وخصوصيتها.. سواء عند تناولها موضوعة الأمومة بحرفية يفتقدها الرجل ، ولعل هذا ما ذهبت إليه ألين مور، وهي تنسب للمرأة ميلا غريزيا فطريا  من صور معينة، أو أشكال لغوية محددة. “فالمرأة في بعض الأحيان تربط ما بين الدعاء والابتهال، حسب الوضع الاجتماعي الذي تمر به، وما تعرفه من أساليب حياتية خاصة بمجتمع النساء، فمن هنا فمسالة الخصوصية تبقى بالنسبة لإبداع المرأة شيء حتمي تثبته النصوص في حد ذاتها ،من خلال تبلور – المرأة -كذات فاعلة لها اثرها النفسي والاجتماعي والشعوري، فنسجت لغتها الروحانية حسب وعي شخصياتها،  فجعلت من الايمانيات وقودا تلجأ إليها النساء لشحن عزائمهن بالإصرار والصمود ، وفي هذا السياق نحصي العبارات الروحانية في المجموعة:

الله( 10 مرات)، الحمد لله( 8 مرات )، القرآن ( 7 مرات )، إن الله معنا، آن يارب،قضاء الله ، الله أكرم ،  ( مرتان )، لا حول ولا قوة إلا بالله ، اللهم لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه ،اللهم لطفك ، ما شاء الله ، الرزق من الله ، الحق سبحانه ،رحمها الله ، قدرة الله ، ألجأت وجهي لله ،من روح الله ، يخشى الله ، الرحمان الرحيم ، أحمدك يا إلهي ، يرحمها الله ، لا حول لي ولا قوة ، ” ألم يان للذين آمنوا أن تخشعى قلوبهم ” ، يارب ،ربنا ،إرادة الله ،توكل على الله ، ياالله ،والله المستعان ، لذكر الله ، سبحان ربي الأعلى، إلهي سبحان الله ، اللهم لك الحمد ، يارب رضاك ، أنت رحيم يارب ،الله تعالى ،عزوجل،سبحان الله ، القرآن الكريم (مرة واحدة)، بالإضافة الى مصطلحات للعبادة تتكرر  ( الصلاة، آذان الفجر، ركعتي الفجر،مؤذن الآذان، صلاة المغرب، الصلاة والدعاء، ادعو لي، ).

صاغت الكاتبة تعابير متعددة للروحانيات والعبادة، لتضفي على شخصيات نصوصها، نفحة السكينة والإطمئنان، المعبرة عن خصوصية المرأة- الدعاء لأقربائها ودويها بكثرة ـ- وهي خاصية تتميز بها المرأة، وقد استطاعت الكاتبة بلورتها في مجموعة” ظلال وارفة“.

لعل المجموعة القصصية قد أبانت عن العديد من المواقف التي تعيشها المرأة، والتي تستطيع هي وحدها الكشف والحديث عنها بتفصيل: مثل حالات الولادة وما يصاحبها من أحداث،لا يدركها خفاياها و أسرارها الدفينة الا من عاشت التجربة.. والغضب والصمود .. الحب والحنان. فالقاصة  توغلت في عمق الذات النسائية،  وعبَّرت بلغتها عن همها وأحلامها، وهواجسها وطموحاتها، وخوفها ورغباتها.

بقلم : أمينة الطنجي

تعليقات فيسبوك

شاهد أيضاً

قراءة في كتاب “من شُجون الشعر ومزالقه” للشاعر أحمد بلبداوي

من شُجُونِ الشِّعر ومَزَالِقه مُقارَبَةٌ في الإيقاعِ والمَعنى والتّأويلِ جديدُ الشاعر أحمد بلبداوي صَدرَ عن ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *